ملصقات الطعام لها تأثيرات بعيدة المدى على صحتنا

عبد الكريم عوير
A concerned shopper checks the nutrition labels of various boxes of cereal.

يُحدِّد المحيط من حولنا كثيراً من الخيارات التي نتخذها فيما يتعلق بما نأكله. وتُشير الأدلة العلمية إلى أن تحسين التصنيف الغذائي على ملصقات المنتجات والارتقاء بمستوى التوعية يُعدّان أمرَين محوريَّين لتشجيع المستهلكين على اتخاذ خيارات غذائية أكثر صحة.

نعيش في عصر الوفرة الغذائية، إذ يستمر متوسط وزن السكان في كثير من دول العالم في الارتفاع. ويُعدّ تناول الأطعمة فائقة المعالجة من أبرز العوامل المرتبطة بزيادة الوزن. وما يتضح بشكل متزايد هو أن الرسائل المطبوعة على العبوات تؤثر في ما نشتريه ونأكله؛ إذ يمكن لتعديلات بسيطة على الملصقات أن تُحدث فارقاً مفاجئاً في قراراتنا الشرائية.

بيئة الغذاء والسمنة العالمية

تتوقع دراسة نشرتها مجلة The Lancet عام 2025 أن يعاني أكثر من نصف البالغين في العالم من السمنة بحلول عام 2050 إذا استمرت الاتجاهات الحالية. ويؤكد الباحثون أن بيئة الغذاء ذاتها – من حيث طريقة إنتاجه وتسويقه وبيعه – باتت “مُسمِّنة” بطبيعتها، أي أنها تُهيّئ الظروف المواتية لزيادة الوزن، وتدفع المستهلكين نحو اتخاذ خيارات غير صحية.

أكد فرانكو ساسي، الباحث البارز في الصحة العامة بالكلية الإمبريالية بلندن، أنه رغم شعور الأفراد بأنهم يتحكمون في ما يختارون شراءه وأكله، فإن الأدلة تقول خلاف ذلك. وقال: “البيئة هي التي تحدد ما ستختاره، حتى لو كنت تظن أنك تتحكم في الأمر.” ويرى أن طريقة تسويق المنتجات وأماكن عرضها تلعب دوراً محورياً في القرارات التي ينتهي بنا المطاف إلى اتخاذها، مضيفاً: “كل شيء في حياتنا يتحكم فيه ما نراه في البيئة المحيطة بنا.”

ملصقات أفضل لخيارات أكثر صحة ما يُفاقم من خطورة الوضع أن الأطعمة فائقة المعالجة يُعدِّلها المصنّعون لتكون جذابة قدر الإمكان بل وإدمانية في بعض الأحيان، على الرغم من تنامي الأدلة التي تربطها بنتائج صحية سلبية وحتى الوفاة المبكرة. وقد أثبت توضيح ذلك بجلاء على ملصقات الطعام نجاعته في تغيير سلوك المستهلكين؛ ففي عام 2016، طبّقت تشيلي ملصقات سوداء إلزامية على المنتجات الغنية بالسكر أو الملح أو السعرات الحرارية، فأسفر ذلك عن انخفاض في مشتريات هذه المنتجات بنسبة بلغت 23.8%.

نظام Nutri-Score: تصنيف لوني للقيمة الغذائية

في عدة دول أوروبية، باتت كثير من المنتجات الغذائية تحمل ملصق “Nutri-Score” على واجهة العبوة، الذي طُبِّق لأول مرة في فرنسا. ويعتمد هذا النظام على حروف مُرمَّزة بألوان تتدرج من الأكثر صحةً (أخضر غامق/A) إلى الأقل صحةً (أحمر/E)، وقد طوّره باحثون لمساعدة المستهلكين على اتخاذ خيارات غذائية أفضل عند الشراء. وحتى الآن، تستخدم 1,500 علامة تجارية هذا الملصق، في ظل تصاعد الضغوط لجعله إلزامياً في أوروبا.

وقد أسفر نظام Nutri-Score عن تغييرات ملموسة في سلوك المصنّعين والمستهلكين على حدٍّ سواء؛ إذ خفّض بعض المنتجين نسبة السكر في منتجاتهم وانتقلوا من الحبوب المكررة إلى الحبوب الكاملة. كما عمدت المتاجر الكبرى إلى الترويج للمنتجات الأكثر صحةً، مما أدى إلى ارتفاع مبيعات منتجات الفئة A وتراجع مبيعات منتجات الفئة E الرديئة غذائياً.

تغيير السلوك الغذائي بالدعم الفردي

بعيداً عن التغيير المنظومي في بيئة الغذاء، تُشير الأبحاث إلى أن دعم الأفراد لتغيير سلوكهم يمكن أن يُحسِّن عاداتهم الغذائية. فقد أجرى كل من سامويل ديكن وآبي فيشر من جامعة كلية لندن دراسة حديثة أثبتت أن الدعم الفردي المخصّص أسهم في تقليل استهلاك 45 مشاركاً في الدراسة من الأطعمة فائقة المعالجة. وقد زُوِّد المشاركون بإرشادات فردية تضمنت معلومات عن أماكن شراء الغذاء الصحي والوصول إلى خطط وجبات منخفضة التعليب، إضافة إلى توجيهات حول الطبخ من الصفر.

وقال ديكن: “نحن نعلم أننا بحاجة إلى تحسين البيئة الغذائية، لكننا في الوقت ذاته بحاجة إلى تزويد الناس بالمهارات والأدوات اللازمة لتحسين نظامهم الغذائي.” وفي نهاية فترة الدراسة التي امتدت ستة أشهر، أفاد المشاركون بانخفاض استهلاكهم من الأطعمة فائقة المعالجة بنسبة 25%، إلى جانب فقدان الوزن وتحسّن مؤشر كتلة الجسم والرفاهية العامة.

خلاصة القول: لا حل واحد يكفي

يؤكد ساسي أنه لتحقيق تغيير حقيقي، لا بدّ من تضافر عدة تدخلات معاً، لأن أي حل منفرد لن يكفي وحده. فبيئة الغذاء بالغة التعقيد، وتستلزم مقاربة شاملة تجمع بين السياسات العامة وتحسين الملصقات الغذائية والتوعية الفردية. وحين تتكاتف هذه الجهود، يصبح بمقدور الأفراد التعرف على الأنظمة الغذائية الغنية بالأطعمة فائقة المعالجة والحدّ منها، بما يُفضي إلى تحسين صحتهم العامة على المدى البعيد.


شارك المقالة
متابعة
فريق الترجمة في مجلة نقطة