قصة شارل العشي عالم ناسا اللبناني الذي خرج من قرية صغيرة في سهل البقاع ليصبح المدير الثامن لمختبر الدفع النفّاث، أعلى منصب يصله عربي في وكالة ناسا، وأشرف على أكثر من ٢٤ مهمة فضائية من المريخ إلى زحل إلى المشتري.
في بلدة لبنانية صغيرة اسمها رياق، تختبئ في سهل البقاع بين الجبال، وُلد عام ١٩٤٧ فتى لأب يدير أكثر محطات القطارات حركةً في لبنان. لم يكن أحد يتخيّل أن ذلك الطفل سيصبح بعد خمسين عاماً شارل العشي عالم ناسا اللبناني، وأعلى عربي رتبةً في وكالة الفضاء الأمريكية: مديراً لمختبر الدفع النفّاث (JPL)، أكبر مختبر للأبحاث الفضائية في العالم، ونائباً لرئيس معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتك). خلال خمسة عشر عاماً من قيادته، أرسل مركبات إلى المريخ وزحل والمشتري والكويكبات والمذنبات. هذه قصة شارل العشي كاملةً: كيف صار الفتى اللبناني سيّد الفضاء، ولماذا قال إنّه «يتقاضى راتباً ليستكشف الكون».
من هو شارل العشي عالم ناسا؟ طفلٌ في محطة قطار رياق
وُلد شارل العشي في الثامن عشر من أبريل ١٩٤٧ في بلدة رياق بمحافظة البقاع شرق لبنان. والده روكوس العشي، مسيحي ماروني، شغل منصب مدير المحطة الأكثر حركةً في لبنان، تربط بيروت بدمشق وبغداد. ووالدته من دمشق — أي أن شارل وُلد بين ثقافتَين وبلدَين. كان والده يصطحبه كل مساء إلى أرصفة المحطة ليُريه القطارات تتنفّس بخاراً، ويشرح له كيف تعمل عجلاتها. كانت تلك الجولات اليومية أوّل درسٍ هندسي في حياته. أما حلم النجوم، فجاء من أمسيات الصيف الطويلة في البقاع، حيث يخرج العائلة إلى السطح ليلاً، فيرى الطفل سماءً مليئة بالنجوم.
درس في مدرسة كلية الرسل في جونية، ثم في École Orientale في زحلة، حيث تخرّج عام ١٩٦٤ في المرتبة الأولى على لبنان في امتحانات البكالوريا (فرع الرياضيات). شدّ الرحال إلى فرنسا، وتخرّج عام ١٩٦٨ الأول على دفعته في جامعة غرونوبل بشهادتين: بكالوريوس فيزياء، ودبلوم مهندس. ثم انتقل إلى معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتك)، فنال الماجستير عام ١٩٦٩ والدكتوراه عام ١٩٧١ في العلوم الكهربائية، وأكمل لاحقاً ماجستير إدارة الأعمال وماجستير في الجيولوجيا — أربع شهادات عليا في تخصصاتٍ متباعدة.
الطريق إلى ناسا: ٤٦ سنة في مختبر الدفع النفّاث
في عام ١٩٧٠، انضمّ العشي إلى مختبر الدفع النفّاث (JPL) وهو لا يزال يكتب رسالة الدكتوراه. تخصّص في تطوير «الرادار ذي الفتحة الاصطناعية» (SAR)، تلك التقنية التي تتيح للأقمار الاصطناعية أن ترى الأرض في أيّ طقس، وأن تخترق طبقات السحاب أو الرمال أو الجليد. عام ١٩٧٨، شارك في تطوير Seasat، أوّل قمر اصطناعي مدني يحمل رادار SAR، ثم قاد سلسلة «رادار المكوك» في الثمانينيات والتسعينيات، التي كشفت لأول مرة عن أنهار قديمة مدفونة تحت رمال الصحراء الكبرى.
“لقد قمت بأشياء جنونية كثيرة في مسيرتي.”
ما يفسّر هذه الجملة قصصٌ يرويها العشي بضحكٍ خفيف. في عام ١٩٨٥، صعد على متن طائرة CV-990 تابعة لناسا، وطار بها إلى داخل عين إعصار «غلوريا» من الدرجة الثانية في المحيط الأطلسي لاختبار قدرة رادار جديد على رؤية الإعصار من الداخل. الصور التي التقطها فتحت باباً جديداً لرصد الأعاصير من الفضاء. تدرّج العشي في الـJPL، فشغل مناصب مدير الرادار، ورئيس فريق الاستشعار عن بُعد، ثم مدير برامج علوم الفضاء والأرض بين ١٩٨٢ و٢٠٠٠.
المنصب الأرفع: مدير JPL لخمسة عشر عاماً
في الأول من مايو ٢٠٠١، صار شارل العشي المدير الثامن لمختبر الدفع النفّاث، خلفاً للدكتور إدوارد ستون. كان ذلك أعلى منصب يصله عالمٌ عربيٌّ في وكالة ناسا حتى ذلك التاريخ، وأعلى منصب لا يزال يصله عربيٌّ حتى اليوم. ومع المنصب، صار العشي نائباً لرئيس كالتك. كان المختبر يضمّ نحو ستة آلاف موظف، وميزانية سنوية تتجاوز ١.٥ مليار دولار.
خلال خمسة عشر عاماً (٢٠٠١–٢٠١٦)، أشرف العشي على أكثر من ٢٤ مهمّة فضائية كبرى — رقمٌ قياسي وصفه المؤرخون بـ«العصر الذهبي لاستكشاف الفضاء»: Mars Odyssey، والعربات الأسطورية Spirit وOpportunity وCuriosity على المريخ، وكاسيني-هويجنز إلى زحل، وجونو إلى المشتري، وDawn إلى الكويكبات، وتلسكوب سبيتزر الفضائي، ومهمات Phoenix، وStardust، وDeep Impact، وأقمار GRACE وSMAP لرصد الأرض.
“ذات يوم كنت في غرفة التحكم والبيانات تأتي من فوياجر ومن كاسيني، فقلت: واو، نحن نتلقى كل هذه البيانات من المجموعة الشمسية — لا بد أن هذا المكان هو مركز الكون.”
السبع دقائق الذهبية على المريخ
في يناير ٢٠٠٤، نزلت Spirit على المريخ، وبعد ثلاثة أسابيع نزلت Opportunity على الجانب الآخر من الكوكب. غرفة التحكّم في باسادينا انفجرت بالصراخ والبكاء. صُمّمت المركبتان لتعيشا تسعين يوماً، فعاشت Spirit ستّ سنوات، وعاشت Opportunity أربعة عشر عاماً — أصبحت أطول مهمة استكشاف كوكبية في تاريخ البشرية.
وفي ٥ أغسطس ٢٠١٢، عاد العشي إلى نفس غرفة التحكم ليُشرف على هبوط Curiosity، مركبة بحجم سيارة تَزِن طناً كاملاً، أُنزلت من على ارتفاع شاهق بآلة جنونية اسمها «الرافعة السماوية». المركبة دخلت الغلاف الجوي للمريخ بسرعة ٢١ ألف كيلومتر في الساعة، وأكملت إنزالها في سبع دقائق فقط، تستغرق إشارة الراديو سبع دقائق إضافية للوصول إلى الأرض، أي أن العشي وفريقه كانوا يشاهدون عملاً قد انتهى فعلاً، ولا يستطيعون فعل شيء. خمسون مليون شخص حول العالم شاهدوا الحدث مباشرةً. لقّبت ناسا هذه الدقائق السبع بـ«الدقائق السبع من الرعب».
كاسيني وتيتان: الرادار الذي اخترق الضباب
إن كان من إنجاز علميٍّ شخصيٍّ يفخر به العشي أكثر من غيره، فهو تجربة رادار تيتان على متن مركبة كاسيني. تيتان أكبر أقمار زحل، يلفّه ضبابٌ كثيف برتقالي اللون لا تخترقه أيّ كاميرا ضوئية. كان العالم بأكمله يجهل ما يوجد تحته، حتى عام ٢٠٠٤، حين دخلت كاسيني مدار زحل، وعلى متنها رادار قاده العشي شخصياً. كشفت النتائج عن بحيرات ضخمة من الميثان والإيثان السائلَين على سطح تيتان — أوّل عالم غير الأرض يُكتشف فيه سوائل على سطحه. هذا الاكتشاف فتح باباً جديداً في علم الأحياء الفلكي.
التقاعد والتكريمات: أوسمة العالم في معطف رجل واحد
في ٣٠ يونيو ٢٠١٦، أعلن العشي تقاعده الرسمي من إدارة JPL بعد ستّ وأربعين عاماً متواصلة في المختبر، وأصبح في كالتك «أستاذاً فخرياً». انتُخب عضواً في الأكاديمية الوطنية الأمريكية للهندسة عام ١٩٨٩ وهو في الثانية والأربعين فقط. ومن أبرز جوائزه: ميدالية ناسا للقيادة المتميّزة ثلاث مرات، وسام جوقة الشرف الفرنسية برتبة فارس (٢٠١١)، ووسام الأرز اللبناني مرتين (٢٠٠٦ و٢٠١٢)، وجائزة كارل ساغان (٢٠١١)، ودكتوراه فخرية من الجامعة الأمريكية في بيروت (٢٠١٣)، وجائزة كأس متحف الطيران والفضاء الوطني الأمريكي (٢٠٢٠).
ولأنّ ناسا لا تنسى أبناءها، فإنّ زملاءه في JPL أطلقوا اسمه على صالة التحكم الرئيسية في مهمّة كاسيني، وزرعوا له شجرة أرز لبناني في حديقة المختبر — كمنحوه مكاناً دائماً على أرضه وفي تاريخه. أصدر أيضاً كتابه المرجعي «مقدمة في فيزياء وتقنيات الاستشعار عن بُعد» الذي يُدرَّس في جامعات العالم بثلاث طبعات وعدّة لغات.
الإنسان خلف العالم: لبنانيٌّ في كاليفورنيا
تزوّج شارل العشي من فاليري غيفورد، وأنجب منها ابنتين: جوانا ولورين. يقيم منذ عقود في بلدة Altadena قرب باسادينا. ورغم حياته الأمريكية الطويلة، لم ينسَ يوماً قريته رياق. ترأّس مجلس أمناء الجامعة اللبنانية الأمريكية (LAU) لسنوات، وعمل مستشاراً لجامعات سعودية، ويحاضر باستمرار في الجامعات العربية. شارك بنفسه في بعثات أثرية في مصر وعُمان والصين، استخدمت تقنيات الرادار التي طوّرها لاكتشاف معالم مدفونة.
“لقد عملت ٤٠ عاماً في JPL، وكل يوم أُحسّ أنني محظوظ. أتقاضى راتباً لأنني أستكشف الكون.”
خاتمة: من قطار رياق إلى كاسيني
في عام ٢٠٢٦، يبلغ شارل العشي التاسعة والسبعين، ولا يزال يحتفظ بمكتبه في كالتك، يصل إليه كل صباح في موعدٍ ثابت. في مكتبه نموذج صغير لمحطة قطار رياق، إلى جانب نماذج صغيرة لكل مركبة فضائية أرسلها إلى الكون — رمزان لرحلةٍ طولها سبعون سنة.
قصّة شارل العشي ليست قصة عبقريّةٍ فطرية، بل قصة تراكم: أبٌ يحبّ المعرفة، وأمٌّ تعلّم ابنها أن يسأل، ومدارس لبنانية أعطته الانضباط، وفرنسا أعطته الفكر، وأمريكا أعطته الفرصة. ولدٌ من قرية صغيرة في البقاع، يصعد سُلَّماً تلو الآخر حتى يصبح يوماً ما الرجل الذي يقرّر إلى أين تذهب أكبر مركبات الفضاء. قال مرة: «إن كنتَ شغوفاً بما تفعل، فستذهب إلى أبعد ممّا تتخيّل». ابن محطة قطار في رياق ذهب فعلاً أبعد ممّا تخيّل أبوه — ذهب إلى المريخ، وإلى زحل، وإلى المشتري، وإلى عيون ٥٠ مليون شخصٍ يحبسون أنفاسهم في ليلة هبوط Curiosity.
❖ ❖ ❖
أبرز المصادر
- صفحة الدكتور شارل العشي الرسمية على موقع مختبر الدفع النفّاث (JPL).
- حوار The National (نوفمبر ٢٠٢٤) — «مسيرة شارل العشي النجمية من البقاع إلى ما وراء الكون».
- Heritage Project at Caltech (٢٠٢٢) — حوار مطوّل عن حياته الشخصية وأصوله العائلية.
- MIT News (سبتمبر ٢٠١٢) — حوار العشي عن مهمّة Curiosity ولحظة الهبوط.
- ويكيبيديا (الإنجليزية والعربية)، والأكاديمية الوطنية الأمريكية للهندسة، وأرشيف Caltech.



