فاروق الباز عالم ناساالمصري.. الرجل الذي اختار لرواد أبولو أين تحطّ أقدامهم على القمر

شهد عبد القادر عبدو محمد

قصة فاروق الباز عالم ناسا المصري الذي خرج من قرية صغيرة في دلتا النيل ليصبح «ملك القمر»: اختار مواقع هبوط بعثات أبولو الست، أرسل سورة الفاتحة إلى مدار القمر، اكتشف أنهاراً مدفونة تحت رمال الصحراء، وحمل اسمَه كويكبٌ في السماء.

في عالمٍ يقيس قيمة الإنسان بشهاداته وألقابه، يقف رجلٌ مصريٌّ هادئ الصوت قضى ستّ سنواتٍ يحدّق في ٢٦٠٠ صورة للقمر، ليقرّر بدلاً من الأمريكيين والروس أين تطأ قدم الإنسان كوكباً آخر. فاروق الباز عالم ناسا المصري، ابن قرية صغيرة في دلتا النيل اسمها «طوخ الأقلام»، صار خلال خمسة عقود واحداً من أكثر علماء الفضاء العرب تأثيراً في العالم. لقّبه زملاؤه في وكالة ناسا بـ«الملك»، وأطلقت اسمه على كويكب، وأطلقت هوليوود اسمه على مكوكٍ فضائي في فيلم Star Trek. هذه قصة فاروق الباز كاملةً: كيف صار «ملك القمر»، ولماذا عاد ليبحث عن مستقبل مصر تحت رمال الصحراء.

من هو فاروق الباز عالم ناسا؟ طفلٌ في طوخ الأقلام

وُلد فاروق الباز في الثاني من يناير ١٩٣٨ في قرية طوخ الأقلام بمحافظة الدقهلية، في قلب دلتا النيل. والده، إمام عبد القادر الباز، كان رجلاً عملياً سيرحل بأسرته إلى الزقازيق بحثاً عن لقمة عيشٍ أكرم. هناك، نشأ فاروق بين ثمانية إخوة، في بيتٍ متواضع يحكمه الانضباط وتزيّنه قراءة القرآن. كان الطفل يجوب أراضي القرية يجمع الأحجار غريبة الشكل، ويسأل والدته الأمّية: «ما هذه يا أمي؟». ظلّ يقول طوال حياته إنه يدين بنجاحه لسيدتين: أمّه التي كانت جمهوره الأول، وزوجته الأمريكية التي تحمّلت معه عامين بلا دخل.

في عام ١٩٥٨، نال بكالوريوس الكيمياء والجيولوجيا من جامعة عين شمس وهو في العشرين. ثم شدّ الرحال إلى الولايات المتحدة، حيث نال الماجستير في الجيولوجيا الاقتصادية من معهد المناجم وعلم الفلزات بميسوري عام ١٩٦١، فالدكتوراه عام ١٩٦٤. أكمل أبحاث ما بعد الدكتوراه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT). عاد إلى مصر عام ١٩٦٦ ليدرّس في جامعة أسيوط، لكنّ تجربته كانت مريرة؛ بقي عامين كاملين دون مرتب، فاضطرّ للهجرة مجدّداً.

الطريق إلى ناسا: ٢٦٠٠ صورة فوتوغرافية للقمر

في عام ١٩٦٧، انضمّ الباز إلى برنامج أبولو التابع لناسا، ليعمل في مختبرات «بيل» بواشنطن. كانت مهمّته العملاقة: اختيار مواقع هبوط مركبات أبولو على سطح القمر. قضى ستّ سنواتٍ كاملة (١٩٦٧–١٩٧٢) يدرس ٢٦٠٠ صورة فوتوغرافية لسطح القمر، ينتقي منها ١٦ موقعاً صالحاً للهبوط. شغل في الوقت نفسه ثلاثة مناصب متوازية: السكرتير العام للجنة اختيار مواقع هبوط أبولو، ورئيس فريق تدريب رواد الفضاء، والباحث الرئيسي للملاحظات البصرية والتصوير الفوتوغرافي الجيولوجي.

صار الباز الوجه العلمي العربي الذي يقف إلى جانب علماء ناسا في المؤتمرات الصحفية لشرح نتائج كل رحلة من رحلات أبولو، بفضل قدرته الفريدة على تبسيط المصطلحات العلمية. أصبح وجهه يظهر على شاشات التلفزيون كلّما هبطت مركبة أمريكية على القمر، فعرفه الأمريكيون قبل العرب.

“أتذكّر شرح «الملك» للقمر — وهو اسم فاروق المتداول في ناسا — أشعر كأنني كنت هنا من قبل!”

هذه الجملة قالها ألفريد وردن، رائد الفضاء في بعثة أبولو ١٥، وهو في مدار القمر. كان وردن قد تدرّب على يد الباز لأشهرٍ على معرفة كل صخرة وكل فوهة، حتى حين رأى القمر بعينه شعر أنه يزور مكاناً يعرفه. بهذه العبارة، صار الباز يُلقَّب رسمياً في ناسا بـ«الملك» (The King).

سورة الفاتحة في مدار القمر

قصة شخصية تكشف الكثير عن وجدان الباز. حين تجهّز وردن لرحلته مع بعثة أبولو ١٥ عام ١٩٧١، طلب من الباز شيئاً «من بلده» يحمله معه. عاد الباز إلى بيته، وطبع سورة الفاتحة على ورقة، ووقّع عليها هو وبناته الأربع، ثم وضعها في حافظة بلاستيكية وسلّمها لوردن. وفي يوم الانطلاق، صلّى الباز مع بناته ودعا أن تعود البعثة بسلام. هكذا، صعدت الفاتحة العربية إلى مدار القمر، محمولةً في جيب رائد فضاء أمريكي على بُعد ٣٨٤ ألف كيلومتر من الأرض.

مستشار السادات والباحث في معهد سميثسونيان

بانتهاء برنامج أبولو عام ١٩٧٢، انضمّ الباز إلى معهد سميثسونيان في واشنطن حيث أسّس «مركز دراسات الأرض والكواكب» في المتحف الوطني للجو والفضاء، وانتُخب عضواً في مجموعة عمل التسميات القمرية التابعة للاتحاد الفلكي الدولي. وفي عام ١٩٧٣، اختارته ناسا الباحث المسؤول عن تجربة رصد الأرض في مشروع أبولو–سويوز، أوّل بعثة فضائية أمريكية–سوفيتية مشتركة. هنا تحوّلت عين الباز من القمر إلى الأرض، وتحديداً إلى الصحاري.

بين عامَي ١٩٧٨ و١٩٨١، شغل منصب المستشار العلمي للرئيس أنور السادات. منحه السادات وسام الاستحقاق المصري من الدرجة الأولى، وعاد الباز في تلك السنوات إلى مصر بنشاط، يخطب في الجامعات والأكاديميات العسكرية، ويحاول إقناع المسؤولين بمشاريعه. لكنّه ظلّ يحكي لاحقاً أنه بقي ١٣ عاماً يحاول إقناع وزير الزراعة الأسبق يوسف والي بدراسة الصحراء الغربية، فلم يفلح. اغتيل السادات عام ١٩٨١، فعاد الباز إلى أمريكا، حيث استكمل مسيرة من نوعٍ آخر.

جامعة بوسطن: الأنهار المدفونة تحت رمال الصحراء

في عام ١٩٨٦، انتقل الباز إلى جامعة بوسطن ليؤسّس مركز الاستشعار عن بُعد، الذي لا يزال يديره حتى اليوم. أصبح المركز خلال عقدَين أحد أهم مراكز العالم في تحليل صور الأقمار الاصطناعية للمناطق القاحلة. وهنا حقّق الباز إنجازه الأكبر: اكتشاف أنهارٍ مدفونة تحت رمال الصحراء. استخدم صور الأقمار الاصطناعية والرادار النافذ للأرض، فكشف عن أنهار قديمة جفّت قبل ملايين السنين، لكنّ مجاريها المدفونة لا تزال تحتفظ بمياه جوفية وفيرة.

قاد اكتشافه نهراً قديماً في عُمان إلى العثور على مدينة «أوبار» الأثرية المفقودة — تلك المدينة التي وردت في القرآن باسم «إرم ذات العماد». وكشف عن مخزون مياه جوفية في الصحراء الغربية المصرية يكفي مصر مائة عام إذا أُحسن استخدامه، على أعماق ٧٥ – ٣٠٠ متر، يصفها بأنّها «نظيفة وباردة».

ممرّ التنمية: حلمٌ بطول ١٢٠٠ كيلومتر

في عام ٢٠٠٥، طرح الباز مشروعه القومي الأشهر: «ممرّ التنمية». الفكرة: محور تنموي ضخم على ظهر هضبة الصحراء الغربية بمحاذاة وادي النيل، يمتدّ من الإسكندرية شمالاً إلى توشكى جنوباً بطول ١٢٠٠ كيلومتر، يضمّ شبكة سكك حديدية ومدناً جديدة ومحطات طاقة شمسية وزراعات على المياه الجوفية المكتشفة. تكلفة المشروع نحو ٢٣ مليار دولار بأسعار ٢٠٠٥، ومدّة التنفيذ ١٠ سنوات. كان وعد المشروع نقل المصريين من شريط النيل الضيّق إلى عمقٍ صحراويٍّ رحب.

“لدينا ثروات هائلة لا نفكّر فيها ولا ننظر إليها.”

لم يُنفَّذ المشروع كاملاً، لكنّ بعض ملامحه نُفِّذ في مشروعَي «توشكى» و«الدلتا الجديدة». ما زال الباز، رغم تجاوزه السادسة والثمانين، يعتبر أن مشروعه قابلٌ للتنفيذ، وأن مصر تحتاجه أكثر من أيّ وقت مضى في ظلّ أزمة المياه الراهنة.

الجوائز: من Star Trek إلى الكويكب ٧٣٧١

يحمل فاروق الباز اليوم ٣١ جائزة دولية، منها: جائزة إنجاز أبولو، الميدالية المميزة للعلوم من ناسا، وجائزة الباب الذهبي. أنشأت الجمعية الجيولوجية الأمريكية جائزة سنوية باسمه أطلقت عليها «جائزة فاروق الباز لأبحاث الصحراء». في عام ٢٠٠٢، أنتجت ناشيونال جيوغرافيك فيلماً وثائقياً عن سيرته. وفي عام ٢٠١٩، أطلقت ناسا اسمه على كويكب برقم (7371) El-Baz. قال عند سماع الخبر: «هذا شرفٌ عظيم. أنا أمثّل بهذا التكريم كل علماء مصر وشبابها».

والأطرف من ذلك كلّه: في فيلم Star Trek IV الأمريكي، أطلق صنّاع الفيلم اسم «مكوك الباز» (Shuttle El-Baz) على إحدى المركبات الفضائية، تكريماً للعالم الذي رسم أول خرائط حقيقية للقمر.

الإنسان خلف العالم: زوجةٌ وأربع بنات

تزوّج فاروق الباز عام ١٩٦٦ من السيدة باتريشيا، الأمريكية ذات الأصول الإيرلندية. في حوار مع المصري اليوم، قال بحنانٍ: «روشتة نجاحها أنّ أخلاقها تشبه أخلاقنا تماماً، عائلتي لم تشعر أبداً بأنها أجنبية أو غير مسلمة». أنجبا أربع بنات: منيرة، ثُريّا، كريمة، وفيروز، ولهما سبعة أحفاد. ورغم حياته في أمريكا منذ ستينيات القرن الماضي، لا يفوّت الباز زيارة مصر سنوياً، ويصرّ على أن يكون له بيت في القاهرة.

“الفقر الحقيقي ليس فقر المال، بل فقر التفكير.”

خاتمة: ابن النيل الذي رسم القمر

في عام ٢٠٢٦، تجاوز فاروق الباز الثامنة والثمانين، ولا يزال أستاذ الأبحاث ومدير مركز الاستشعار عن بُعد في جامعة بوسطن. ما يميّز قصّته أنها ليست قصة عبقريّةٍ فطرية، بل قصة إصرار. ولدٌ من قرية صغيرة في الدلتا، نشأ في بيتٍ بسيط، عاش عامين بلا مرتب، رفض كل العروض للبقاء في أمريكا بقلبٍ كامل، وأصرّ على أن يظل اسمه «مصرياً». اختار لرواد ناسا أين يطؤون القمر، وأهدى لمصر خرائط أنهارٍ مدفونة لا تزال حكوماتها تتجاهلها.

ربما تكون رسالته للأجيال العربية الجديدة هي: لا تنتظر اعتراف العالم بك، يكفي اعتراف من تحبّ، واصنع شيئاً يدوم أطول منك على هذا الكوكب — أو في السماء.

أبرز المصادر

  • موسوعة الجزيرة نت (فبراير ٢٠٢٤) — «فاروق الباز.. سيد القمر المصري ورئيس فريق التخطيط الجيولوجي لرحلة أبولو».
  • حوارات الدكتور فاروق الباز مع المصري اليوم واليوم السابع (٢٠١٨–٢٠٢٢) — تفاصيل حياته الشخصية ومشروع ممر التنمية.
  • صفحة الدكتور فاروق الباز الرسمية على موقع جامعة عين شمس وجامعة بوسطن.
  • مجلة المجلة، ووكالة العين الإخبارية (٢٠٢٠) — تكريم ناسا للكويكب (7371) El-Baz.
  • ويكيبيديا (العربية والإنجليزية)، وناسا بالعربي، وأرشيف صحيفة الأهرام المصرية.

شارك المقالة