عصام حجي عالم ناسا المصري.. الرجل الذي قرأ كوكب المريخ بلغة الصحراء

شهد عبد القادر عبدو محمد

قصة عصام حجي عالم ناسا المصري، أول مصري يحصل على دكتوراه في اكتشاف الكواكب: من راتب لا يتجاوز 48 جنيهاً إلى مختبر الدفع النفّاث، ومن سطح المريخ إلى تحذيرٍ صريح من غرق الإسكندرية ونضوب مياه الجزيرة العربية.

في عالمٍ يقيس قيمة الإنسان بما يملك، يقف عالم فلكٍ مصريٌّ هادئ النبرة يرفض هذا الميزان كله. عصام حجي عالم ناسا المصري لا يملك سلطةً ولا ثروة، لكنه يملك عقلاً يقرأ تضاريس المريخ من على بُعد ملايين الكيلومترات، ويرى في الوقت نفسه شقوق مدينةٍ ساحلية مهدّدة بالغرق على ضفاف المتوسط. مهنته أن يحفر في الزمن كما يحفر العلماء في الصخر؛ لا بحثاً عن الماضي، بل عن المستقبل الذي ما زال ممكناً. هذه قصته كاملةً: كيف صار عصام حجي أشهر علماء الفضاء العرب وأبرز عالم عربي في وكالة ناسا، ولماذا تحوّل صوته إلى ناقوس خطرٍ يدقّ في وجه العالم العربي.

من هو عصام حجي عالم ناسا؟ طفلٌ وُلد بين الفنّ والنجوم

وُلد عصام محمد إبراهيم حجّي في التاسع والعشرين من يوليو/تموز 1975 في مدينة طرابلس الليبية، لأبٍ مصريٍّ هو الفنان التشكيلي الكبير محمد حجّي. عمل الأب في السلك الدبلوماسي لجامعة الدول العربية حين كان مقرّها تونس، فأنهى عصام تعليمه الإعدادي والثانوي هناك، وساعد والده في ترميم معالم إسلامية، ليتشرّب باكراً فكرةً ستلازمه: العلم والفن وجهان لعملةٍ واحدة اسمها المعرفة.

ثم عاد إلى القاهرة والتحق بجامعة القاهرة، فدرس علم الفلك وتخرّج عام 1997 بدرجة البكالوريوس، ليُعيَّن فوراً معيداً في كلية العلوم. كان عمره آنذاك اثنين وعشرين عاماً، ومرتّبه — كما وصفه لاحقاً بمرارة — لا يتجاوز 48.5 جنيهاً مصرياً. رقمٌ لا يكفي حياة يومين، لكنه كان الفصل الأول من سؤالٍ سيرافقه: كيف يصنع العقل نفسه حين يخذله المحيط؟

حصل في الجامعة على جائزة زكي عيّاد عام 1997، ثم شدّ الرحال إلى باريس والتحق بجامعة بيير وماري كوري السوربون نال الماجستير في علوم الفضاء عام 1999، ثم الدكتوراه عام 2002 بمرتبة الشرف الأعلى عن البحث عن الماء على سطح المريخ والمناطق القاحلة على الأرض. بهذه الأطروحة صار حجّي أوّل مصري يحصل على دكتوراه في علم اكتشاف الكواكب، وحصدت أطروحته جائزة أفضل مشروع بحثي لرسالة دكتوراه من جامعة باريس، ثم الجائزة الشرفية للأكاديمية الفرنسية للعلوم عام 2003 وفي عام 2006 منحته فرنسا جنسيتها تقديراً لمساهماته العلمية.

الطريق إلى ناسا: من الصحراء الغربية إلى سطح المريخ

لأن أطروحته كانت عن الماء على المريخ، التقطت ناسا الإشارة. أتمّ زمالة ما بعد الدكتوراه في مرصد بوردو الفلكي، ثم انتقل عام 2003 إلى معهد القمر والكواكب في هيوستن، قبل أن يستقرّ في النهاية في مختبر الدفع النفّاث (JPL) التابع لوكالة ناسا في باسادينا بكاليفورنيا — المختبر نفسه الذي يقود معظم بعثات الاستكشاف الكوكبي في العالم.

لكن قبل صعوده الأخير فعل ما لم يفعله كثيرون: عاد إلى مصر بصورة فريدة. ففي عام 2004 قاد فريقاً فرنسياً-مصرياً في الصحراء الغربية المصرية، مستخدماً الرادار النافذ للأرض للبحث عن المياه على عمق يصل إلى 600 متر. لم تكن التجربة لمصر فقط، بل تحضيراً علمياً لمهمة المركبة فينيكس التي أرسلتها ناسا إلى المريخ، والتي أكّدت لاحقاً وجود الجليد عند قطبَي الكوكب الأحمر — اكتشافٌ يفتح الباب أمام احتمال وجود شكلٍ بدائي من الحياة في ماضي المريخ. وفي الرحلة نفسها اكتُشف أكبر حقل نيازك في الصحراء الغربية، بمساحة 400 كيلومتر مربع، يعود إلى نحو 50 مليون سنة.

“كان من الصعب جداً إدخال مركباتي العلمية إلى مصر، أصعب بكثير من إيصالها إلى المريخ.”

هذه الجملة تختصر المفارقة العربية كلها. والأسوأ أن جامعة القاهرة فصلته عام 2004 بتهمة «الغياب»، رغم انشغاله بإنجازٍ يمثّل مصر في أعلى محافل العلم العالمي، في ما اعتُبر انتقاماً من نقده لما وصفه بالفساد في إدارة الجامعة. لم تكرّمه مصر رسمياً حتى اليوم، بينما صنّفته جامعة الدول العربية ومجلة أمريكية — وهو في التاسعة والعشرين — كأحد أهم الشخصيات الفكرية في العالم العربي.

عقلٌ يجوب المجموعة الشمسية: خمس بعثات فضائية كبرى

أداة حجّي الأثيرة هي الرادار. وهو ليس مجرّد عضو في مهمة فضائية، بل عضو في فِرَقٍ علمية لخمس بعثات كبرى في الوقت نفسه، كلٌّ منها تكشف جانباً من قصة الماء في الكون:

  • مارسيس» :(MARSIS) رادار على متن المركبة الأوروبية «مارس إكسبريس» التي تدور حول المريخ منذ 2003. اخترق طبقات القطب الجنوبي حتى عمق 3.7 كيلومتر وكشف عن بنية الترسبات القطبية ولمحات من جليد ماء عميق.
  • ميني-سار» :(Mini-SAR) على متن المركبة الهندية «شاندرايان-1، رصدت دلائل على جليد ماء في الفوهات القمرية المظلمة دائماً قرب القطبين.
  • ميني-آر إف :(Mini-RF) على متن مركبة الاستطلاع القمري التابعة لناسا. قاد حجّي عام 2020 دراسة أعادت تقييم بيانات الرادار لـ22,746 فوهة قمرية، وخلصت إلى أن قاع القمر قد يكون أغنى بالمعادن مما اعتقد العلماء.
  • كونسيرت» :(CONSERT) على متن المهمة الأوروبية الأسطورية «روزيتا كان حجّي أحد ثمانية علماء قادوا أول هبوطٍ في التاريخ لمسبارٍ بشري على سطح مذنّبٍ متحرك، على بُعد 447 مليون ميل من الأرض.
  • رايم» :(RIME) على متن مهمة «جوس (JUICE) لاستكشاف الأقمار الجليدية للمشتري، حيث يُعتقد بوجود محيطات سائلة قد تكون البيئة الأنسب لحياةٍ خارج الأرض.

ولا تنتهي القائمة هنا. فحجّي هو الباحث الرئيسي لمفهوم مهمة «OASIS» التابع لبرنامج ناسا إيرث فينتشر الهادف إلى رسم خريطة المياه الجوفية في أشدّ بيئات الأرض قحطاً، كما خدم في لجان عديدة لبرامج ناسا في الجيولوجيا الكوكبية وعلم الأحياء الفلكي وتحليل بيانات المريخ.

عندما يلتقي المريخ بالصحراء العربية

ما يميّز حجّي أنه لم يصعد إلى الفضاء ليهرب من الأرض، بل استخدم الفضاء عدسةً ليعود إليها. يقول إن دراسة الزهرة تتيح لنا رؤية الأرض الفتيّة، ودراسة المريخ تتيح لنا رؤية مستقبل أرضنا. وعلى هذا الأساس أطلق فريقه عام 2024 تقنية رادار محمولة جواً اسمها «Desert-SEA» ترسم خرائط للمياه الجوفية حتى عمق نحو عشرين متراً — الطبقة المهمة زراعياً وبيئياً — ونُشر العمل في مجلة علمية مرموقة.

أهمية ذلك، كما يفسّر حجّي، أن الخرائط الحالية للمياه الجوفية في الصحاري العربية «غير واقعية؛ إذ تستند إلى آبار قليلة لا تمثّل سوى جزءٍ من ألفٍ من مساحة الصحراء، فيتراءى للمخططين أن الماء وفيرٌ حيث هو شحيح. وقد مُوّلت التجربة عبر منحة قطرية أتاحت تعيين 15 باحثاً، أغلبهم طلاب عرب — إحدى المرات النادرة التي يُموَّل فيها بحثٌ عربيٌّ يخدم العرب ويُدار من علماء عرب.

وفي تقديرٍ صادم نشره فريقه في جامعة جنوب كاليفورنيا، خلص حجّي إلى أن غالبية المخزون الجوفي القابل للاستغلال في شبه الجزيرة العربية قد ينضب بحلول عام 2050، وأن النضوب الكامل لكل المياه الجوفية في المنطقة قد يحدث خلال 60 إلى 90 عاماً فقط إذا استمرّت معدلات السحب الحالية. ليس هذا توقّعاً، بل احتمالٌ يعني عملياً أن جيلاً أو جيلين سيواجهان أزمةً وجودية.

النيل وسد النهضة: نهرٌ عظيم في مكان صعب

لم يخفِ حجّي يوماً حبّه للنيل. وصفه بأنه نظامٌ بيئيٌّ فريد، وهو النهر الضخم الوحيد الذي يجري من الجنوب إلى الشمال ويعبر خمس مناطق مناخية، وعمره 20 إلى 30 مليون سنة. لكن بحثه لم يبقَ شاعرياً: ففي سلسلة دراسات نُشرت بين 2021 و2024 — آخرها في مجلة تابعة لـ نيتشر واختيرت ضمن أفضل 25 ورقة بحثية لعام 2024 — وضع حجّي وزملاؤه إطاراً علمياً لإدارة سدود النيل خلال فترات الجفاف.

خلاصة الفكرة: اقترح فريقه استخدام مستوى المياه في السد العالي بأسوان مؤشّراً مرجعياً؛ فحين ينخفض المستوى إلى 165 متراً، يجب إعلان حالة الجفاف وتفعيل تدابير التخفيف. والأهم أنه قدّم معادلةً عملية: يمكن لسد النهضة أن يولّد 87% من طاقته الكهرومائية المُثلى دون أن يسبّب عجزاً مائياً ضخماً في مصر، شريطة أن يتعاون البلدان على إطار تشغيلي مشترك.

“السدود في حد ذاتها ليست هي الكارثة، الكارثة هي كيف تُدار خلال فترات الشحّ.”

التغيّر المناخي وغرق الإسكندرية: ليس ترفاً بل قضية بقاء

هنا تتجلّى الرسالة الأشد إلحاحاً في فكر عصام حجّي. يرفض المنطق العربي السائد الذي ينظر إلى التغيّر المناخي كملفٍّ مستقبلي أو نخبوي، ويرى أنه تحوّل إلى عاملٍ مباشر يهدّد الأمن المائي والاستقرار السكاني والبنية التحتية في العالم العربي.

ويضرب مثلاً أيقونياً بفيضانات درنة في ليبيا في سبتمبر 2023، حين قُتل أكثر من أحد عشر ألف شخص في ليلة واحدة — في بلدٍ لا يملك أي نهر وبه أقلّ معدلات سقوط للأمطار. والمفارقة المُرّة، كما يلاحظ، أن أخطر الكوارث المناخية في العالم العربي وقعت خلال السنتين اللتين عُقدت فيهما قمتا المناخ في دبي وشرم الشيخ.

وفي الإسكندرية يرصد حجّي ظاهرةً لا يلتفت إليها أحد: تحوّلت المدينة من تسجيل حالة انهيار عقاري واحدة سنوياً إلى عشرات الحالات، نتيجة تآكل الأساسات بفعل تسرّب مياه البحر وارتفاع المياه الجوفية. يرفض حجّي تفسير الأمر بـ«عمر المباني ويسأل: لماذا صمدت الأماكن التاريخية قروناً بينما تنهار مبانٍ حديثة اليوم؟ الإجابة عنده علمٌ بسيط: متوسط ارتفاع منسوب البحر عند الإسكندرية بين 3 و6 سم سنوياً، وقد يصل إلى متر كامل خلال عقدين، فيما ارتفعت حرارة مياه شرق المتوسط درجتين ونصفاً بين 1980 و2025.

“تخيّلوا التناقض: في قلب الصحراء العربية يمكنك أن ترفع فيديو إلى تيك توك، لكنك لا تستطيع أن تقيس ملوحة الماء ولا أن ترصد معدلات المطر. التكنولوجيا ليست هي المشكلة، بل أنّها مُستثمرة في الاتجاه الخاطئ.”

هجرة العقول: المعركة الأهم في حياته

لا توجد قضية أعمق في وجدان عصام حجّي من «هجرة العقو يقدّم تشخيصاً قاسياً ودقيقاً للجامعات العربية ويرى أنها تفتقر إلى نموذجٍ تمويلي صحي ونمط إدارةٍ سليم، وأنها بحاجة إلى قادةٍ يتخيّلون المستقبل لا يبقون أسرى للماضي.

والأخطر، كما يصفه، أن برامج التغيّر المناخي أُغلقت عام 2023 في عددٍ من الجامعات العربية لصالح برامج الذكاء الاصطناعي، فيفشل القادة في إدراك أن التغيّر المناخي تهديدٌ حقيقي رغم الموتى الذين سقطوا في ليبيا. ويرى أن المشكلة العربية ليست في المال أصلاً، بل في الرؤية، وأن أنجح نموذجٍ عربيٍّ حتى اليوم هو نموذج المغرب الذي طوّر إطاراً بيئياً قوياً بكفاءاتٍ وطنية.

“تعلمت درساً مهماً أثناء نشأتي في مدرسة متواضعة في قلب القاهرة: الفقر ليس نقص الموارد، بل هو نقص الإرادة.”

العلم والهوية: معركة ضد الخرافة

يربط حجّي بين تراجع مكانة العلم في العالم العربي وانتشار الخرافة، ويرى أن هذه الظواهر تجد سوقاً رائجة في المجتمعات التي تعاني من غياب العدالة، حيث يصبح «الحظ» بديلاً عن «المعرفة ويرى أن أخطر ما يواجه المنطقة ليس قصف الجامعات فقط، بل تدمير العقول منذ الصغر بتسفيه العلم وتحويله إلى مادةٍ غريبة عن الهوية العربية — مذكّراً بأن أول كلمةٍ في القرآن كانت «اقرأ

ولأنه يعمل في ناسا، يعرض حجّي تجربته دليلاً على أن العلم لا جنسية له. هو الذي عمل مع علماء من فرنسا وأمريكا وإيطاليا وألمانيا والهند وروسيا والعالم العربي، ويحمل اليوم ثلاث جنسيات: مصرية بالولادة وفرنسية منذ 2006، وأمريكية لاحقاً، ويقيم في لوس أنجلوس.

الإنسان خلف العالِم: الفقد والوفاء

في يوليو 2023 رحل والده الرسام محمد حجّي، ثم في أبريل 2025 رحلت والدته في لوس أنجلوس، «وكان حلمها أن أعود إلى مصر ورغم انغماسه في الفضاء يبقى ولاؤه للأرض؛ فهو يقضي وقتاً كبيراً في رحلاتٍ إلى الصحاري العربية من قطر إلى المغرب. وقد حصد تكريماتٍ كثيرة، من ميدالية «فيفا كأحد أكثر العلماء العرب تأثيراً اجتماعياً، إلى تعيينه سفيراً لـ الألكسو للفضاء والبحث العلمي عام 2025، وتجاوز عدد أوراقه البحثية 130 ورقة منشورة في المياه والمناخ وعلوم الكواكب.

خاتمة: عالِمٌ يكتب لنا، لا عنّا

قصة عصام حجّي ليست قصة «عبقريٍّ آخر فقدناه إلى أمريكا هي قصة رجلٍ ظلّ مصرّاً على ألا يفقدنا هو رغم أننا فقدناه نحن. كل ورقةٍ بحثية يكتبها عن المياه الجوفية، وكل تحذيرٍ يطلقه عن غرق الإسكندرية، إنما هو رسالةٌ من رجلٍ يرفض أن يقول لشعبه لقد رحلتُ»، ويقول بدلاً منها: «أنا هنا، فلتحضروا أنتم أيضاً

يبقى السؤال الذي يلاحقه في كل محاضرة: في زمنٍ يُقاس فيه الإنسان بما يستهلك، هل نملك نحن العرب الإرادة لاكتشاف ما نملك؟ والإجابة، كما يقول حجّي بهدوئه المعتاد ليست في الفضاء، بل في إرادتنا نحن هنا، على هذا الكوكب

المصادر

  • الجزيرة نت — سلسلة حوارات مع د. عصام حجّي (يناير 2026، مايو 2024)، وحلقة «Talk to Al Jazeera» على الجزيرة الإنجليزية (فبراير 2020).
  • الفنار للإعلام (Al-Fanar Media) — حوار موسّع حول إصلاح الجامعات العربية وأزمة المياه في العالم العربي (أكتوبر 2024).
  • وكالة ناسا (NASA) ومختبر الدفع النفّاث (JPL) — الصفحة الرسمية للباحث وسيرته العلمية.
  • USC Viterbi School of Engineering — مقالات وأبحاث حول نضوب المياه الجوفية في شبه الجزيرة العربية وتقنية Desert-SEA (2019–2024).
  • NASA Earth Observatory — أرشيف الأبحاث المنشورة حول دراسات الكواكب والمياه.
  • صحيفتا «المصري اليوم» و«الوطن» — أرشيف التقارير والمقابلات حول الباحث.
  • المعرّف الأكاديمي ORCID — قائمة المنشورات العلمية للباحث.

شارك المقالة