ما هو دور الفن في دعم صحة الأطفال النفسية

أميرة العجي

 لطالما شكّل الفن لغة تتجاوز حدود الكلمات، غير أنّه في غمرة الضغوط النفسية التي يمر بها كلّ منا في مراحل مختلفة من الحياة، قد يتحوّل التعبير الفني إلى ملاذ آمن ووسيلة دعم تساعد الأطفال والمجتمعات على البوح بما يختلج في أعماق النفوس.

في هذا الصدد، أكدت أميرة محمد العجي، رئيس قسم فنون المجتمع بمؤسسة قطر والمتخصصة في مجال الفنون الجميلة والفن العلاجي، أنّ الفن يوفّر للأطفال متنفّسًا آمنًا للبوح بما يشعرون به، خاصة عندما تعجز الكلمات عن ذلك، أو حين يصبح الكلام نفسه صعبًا أو مؤلمًا.

وأوضحت العجي أنّ الرسم والتلوين والتشكيل يمنح الأطفال القدرة على تحويل الخوف والحزن والغضب إلى صور وألوان ورموز يمكن رؤيتها واحتواؤها. وعن ذلك قالت: “حين يمسك الطفل بالفرشاة أو يلامس الورق، تتحول الورقة أو اللوحة إلى مساحة آمنة يمكن للطفل أن يُعبر من خلالها عن مشاعره دون خوف؛ فيصبح الخوف رسمة، والغضب شكلاً، والارتباك لونًا. وعندما تصبح المشاعر مرئية، يقلّ ثقلها النفسي ويبدأ الإحساس بالهدوء والسيطرة بالعودة تدريجيًا”.

وأضافت الخبيرة الفنية أنّ الأطفال يستطيعون من خلال ممارسات فنية بسيطة، مثل رسم الخطوط والنقاط والأنماط واختيار الألوان وصنع الإيقاعات، التعبير عن المشاعر الغامضة والمُرهِقة وتحويلها إلى أشكال مرئية يسهل فهمها والتعامل معها. وتُسهم هذه العملية في التخفيف من القلق ومساعدتهم على استعادة تركيزهم على اللحظة الراهنة.

ومع مرور الوقت، تضيف العجي، يساعد التكرار المنتظم للممارسات الفنية الأطفال على تجويد مشاعرهم المرتبطة بالتجارب الصعبة التي يعيشونها. وأوضحت قائلةً: “لا يهدف الرسم والتلوين إلى التخلص من المشاعر الصعبة، بل إلى منح الأطفال وسيلة آمنة وإنسانية تساعدهم على احتواء هذه المشاعر والتخفيف من حدّتها.”

وأشارت العجي إلى أنّ المعلّمين ومقدّمي الرعاية يستطيعون توظيف الفن كأداة لتعزيز الصمود والأمل، من خلال تشجيع الأطفال على أن “يرسموا شعورهم اليوم” أو “يبتكروا مكانًا يشعرون فيه بالأمان”، بما يتيح لهم التعبير عن مشاعرهم دون ضغط أو خوف من الأحكام.

كما أنّ التركيز على عملية الإبداع نفسها – بدلًا من انتظار نتيجتها النهائية – يساعد الأطفال على بناء الثقة بالنفس والشعور بالقدرة والسيطرة. وفي الوقت ذاته، تتيح ثمة أنشطة، مثل سرد القصص والرسم الجماعي، للأطفال تحويل التحديات التي يواجهونها إلى حكايات مشتركة تعبّر عن القوة والتماسك.

كما أن سرد القصص من خلال الفن يساعد الأطفال على استعادة شعورهم بالاستقرار والحياة اليومية المألوفة، وذلك عبر تحويل التجارب الصعبة إلى قصص يمكن فهمها والتعامل معها. كما يتيح لهم الخيال استكشاف الحلول واستحضار مشاعر القوة والقدرة، فيما يمنحهم الإصغاء الواعي من البالغين شعورًا بأنهم يفهمون ويهتمون بعالمهم الداخلي.

وقالت العجي: “إنّ الممارسات الإبداعية المنتظمة، مثل دفاتر التأمل الأسبوعية أو جلسات الفن الجماعية، توفّر للأطفال شعورًا بالاستقرار والأمان العاطفي. فاستعادة الإحساس بالحياة الطبيعية لا تعني العودة إلى ما كان عليه الحال، بل اكتشاف أنّه لا يزال بإمكانك اللعب والتخيّل والإبداع والشعور بأن هناك من يفهمك، رغم كل ما حدث”.

وأكدت العجي أنّ المشروعات الفنية التشاركية تُوسّع من نطاق أثر الدعم النفسي ليشمل المجتمع بأكمله، إذ تنشىء مساحات مشتركة يشعر فيها الأفراد بالانتماء، وتُحترم فيها الاختلافات بروح من التقبّل بدلًا من التوتر. فالعمل معًا في رسم جداريات أو منحوتات أو تقديم عروض فنية يُسهم في إعادة بناء الثقة وتعزيز روح التعاون.

كما أوضحت أنّ الفن التشاركي يخفّف من حدة أثر التصنيفات الجامدة، بحيث لا يُنظر إلى الأطفال من خلال قدراتهم اللغوية أو خلفياتهم أو تجاربهم الصعبة، بل من منظور إسهاماتهم الإبداعية. ويساعد عرض الأعمال الفنية المشتركة في المدارس أو الأماكن العامة على تعزيز الشعور بالفخر الجماعي وتقوية الروابط بين الأطفال ومقدّمي الرعاية والمعلّمين والمجتمع الأوسع.

وفي ذات الصدد، قالت العجي: “من خلال تجربتي، رأيت كيف أنّ الفن التشاركي لا يقتصر على جمع الأطفال حول نشاط فني، بل يساعدهم على استعادة الإحساس الحقيقي بالمجتمع؛ ليس كمفهوم مجرّد، بل كإيقاع مشترك، وإبداع مشترك، وشعور جماعي بـ(نحن)”.

وأشارت إلى أنّ دمج ممارسات الفن العلاجي في الروتين اليومي لا يتطلّب مهارات فنية خاصة أو أدوات معقّدة، بل يحتاج فقط إلى نية صادقة والتحلي بروح المثابرة. فبإمكان الأهالي والمعلّمين إدخال ممارسات إبداعية بسيطة ضمن روتينهم اليومي، مثل بدء اليوم بالتعبير عن المشاعر بواسطة الألوان أو إنهائه برسمة تأملية. كما أنّ توفير مساحات فنية بسيطة تحتوي على أقلام تلوين أو طين أو مواد معاد تدويرها يعد بيئةً مُحفّزة على التعبير الإبداعي.”

وبحسب العجي فإن أنّ أفضل ما يمكن أن يقدّمه البالغون للأطفال هو الإصغاء إليهم والانتباه لما يقومون به – دون إصدار أحكام، من خلال ملاحظة خياراتهم الإبداعية وتقديرها. ويمكن دمج الفن في أنشطة تبعث على الهدوء، سواء عبر الرسم أو الموسيقى أو الحركات التعبيرية على الورق، كما تساعد الممارسات الجماعية، مثل دفاتر الرسم المشتركة، على جعل التعبير العاطفي أمرًا طبيعيًا ومقبولًا. وأكدت أنّ العنصر الأهم يكمن في الاستمرارية والمواظبة، إذ يمكن لبضع دقائق منتظمة من الممارسة الفنية أن تعزّز الصمود والشعور بالأمان النفسي.

وقالت: “إنّ دمج الفن المحفِّز على الدعم النفسي لا يهدف إلى تعليم الأطفال كيفية إنتاج إبداعات فنية فحسب، بل إلى استخدامه لبناء جسور الثقة والصمود والعلاقات الإنسانية ضمن إيقاع الحياة اليومية”.

وأبرزت العجي أنّ الفن، سواء من خلال التعبير الفردي أو سرد القصص أو الإبداع الجماعي، يتجاوز كونه نشاطًا إبداعيًا ليصبح مصدرًا للدعم والانتماء. ففي  لحظات الإرهاق والضغط العاطفي، يساعد الأطفال والمجتمعات على استعادة الشعور بالقدرة والسيطرة، ويغذّي الأمل، ويؤكد لهم أنّ بإمكانهم التخيّل وإعادة البناء.”

وخلصت الخبيرة الفنية إلى القول: “إن الأمل ينمو ويزدهر حين يرى الناس أنفسهم ليس فقط كمن يقاوم منفردًا من أجل الخروج من دائرة  الصعوبات، بل كأفراد قادرين على إعادة تشكيل تجاربهم والمضيّ قُدمًا جنبًا إلى جنب.”


شارك المقالة
رئيس قسم فنون المجتمع في مؤسسة قطر QF