أكسدة الإيثيلين: الشرارة التي أنجبت عالم البوليمرات

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

في أطراف المشهد الصناعي، حيث تبدو الأشياء وقد استقرت في أشكالها النهائية، تبدأ الحكاية من مكان أكثر تواضعًا بكثير، من جزيء صغير، عابر، يكاد لا يُلتفت إليه: الإيثيلين. ليس فيه ما يُثير الدهشة للوهلة الأولى، لا لون، لا تعقيد بنيوي لافت، ولا حضور صاخب. ومع ذلك، فهو يحمل في داخله قابلية استثنائية لأن يصبح كل شيء تقريبًا. كأنه الحرف الأول في أبجدية المادة الحديثة، أو النغمة التي يمكن أن تُبنى عليها سيمفونية كاملة.

الإيثيلين، في حالته الخام، يشبه الإمكان غير المُستثمر. موجود، لكنه لم يُدفع بعد إلى أقصى حدوده. وهنا تتدخل الكيمياء، لا بوصفها علمًا يكتفي بالملاحظة، بل كفعلٍ يعيد صياغة الواقع. لا تكتفي بما هو كائن، بل تسأل عمّا يمكن أن يكون. في هذه اللحظة، لا يعود الجزيء مجرد وحدة، بل مشروع تحوّل.

تبدأ رحلة الأكسدة، لا كخطوة ميكانيكية، بل كدعوة للتغيير. يُستدعى الأكسجين إلى المشهد، ليس كعنصر إضافي، بل كقوة تعيد ترتيب البنية الداخلية، تُحدث خلخلة محسوبة، وتفتح مسارًا لم يكن متاحًا من قبل. هنا، لا يُدمَّر الإيثيلين، بل يُعاد تشكيله، يُدفع إلى حالة جديدة، أكثر توترًا، أكثر استعدادًا للتفاعل، كأننا أمام جزيء خرج من سكونه ودخل في حالة يقظة.

في هذه اللحظة، يولد أكسيد الإيثيلين. ليس مجرد ناتج كيميائي، بل نقطة تحوّل. جزيء يحمل في داخله توترًا بنيويًا يجعله مستعدًا للانفتاح، للارتباط، للامتداد. إنه كالباب الذي لا يظل مغلقًا، بل يُفتح على احتمالات متعددة، على مسارات لا تنتهي عند حد. ومن هنا، تبدأ الحكاية الحقيقية.

فأكسيد الإيثيلين ليس نهاية، بل بداية لسلسلة من التحولات. منه تتفرع مركبات أخرى، تتشكل سلاسل أطول، تنمو بنيات أكثر تعقيدًا، حتى نصل إلى عالم البوليمرات، ذلك العالم الذي لا نراه ككيان واحد، بل كأشياء تحيط بنا في كل مكان: عبوات، ألياف، مواد عازلة، أدوات طبية، مكونات صناعية. كل هذه الأشكال، على اختلافها، تعود في جذورها إلى تلك اللحظة الأولى، إلى قرار إدخال الأكسجين في معادلة الإيثيلين.

وهنا، تكشف العملية عن أحد أعمق أسرار الكيمياء: أن التحول ليس فقدًا، بل إضافة من نوع آخر. فالجزيء لا يفقد هويته بقدر ما يوسّعها، لا ينتهي، بل يتضاعف في صور متعددة. كأن المادة، في جوهرها، ليست ثابتة، بل قابلة لإعادة الكتابة، لإعادة التأويل، لإعادة الوجود.

لكن هذا التحول لا يحدث في فراغٍ بريء. إنه يحتاج إلى شروط دقيقة، إلى توازن حساس يكاد يكون هشًا. حرارة يجب أن تُضبط بعناية، وضغط لا يُترك للصدفة، ومحفزات لا تفرض التفاعل بقدر ما تُرشده، تُقنعه بالمسار دون أن تُجبره عليه. كأن العملية كلها تفاوض صامت بين الإنسان والمادة، بين ما نطمح إليه وما تسمح به قوانين الطبيعة.

وفي هذا التفاوض، تظهر هشاشة الإنجاز. فأكسيد الإيثيلين، رغم قيمته الهائلة، ليس كيانًا مطمئنًا. يحمل في داخله قابلية للاشتعال، حساسية للتغير، قدرة على التحول السريع إذا ما اختل التوازن. هنا، لا تعود الكيمياء لعبة آمنة، بل مسؤولية. مسؤولية تتطلب وعيًا دائمًا بأن ما نُنشئه يمكن أن ينفلت، وأن ما نتحكم فيه اليوم قد يتجاوزنا غدًا إن أهملنا شروطه.

وهنا تحديدًا، يتجلى الوجه المزدوج للعلم. نفس العملية التي تفتح أبواب الابتكار، تحمل في طياتها إمكانية الخطر. نفس الجزيء الذي يُستخدم في صناعة مواد تُنقذ الحياة، يمكن أن يكون مؤذيًا إذا لم يُحسن التعامل معه. إنها ليست مفارقة، بل طبيعة الأشياء حين تبلغ حد القوة.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن أكسدة الإيثيلين كانت من الأعمدة التي بُنيت عليها الصناعة الحديثة. فمن خلالها، لم نُنتج مواد جديدة فحسب، بل أعدنا تعريف العلاقة بين الإنسان والمادة. لم نعد نكتفي بما تمنحه الطبيعة، بل أصبحنا نُعيد تشكيله، نُعيد ترتيبه، نُعيد توجيهه وفق احتياجاتنا.

لقد تغيّر العالم، ليس لأننا اكتشفنا مادة جديدة، بل لأننا تعلّمنا كيف نُحوّل مادة إلى أخرى، وكيف نجعل من الجزيء البسيط أصلًا لتعقيدٍ هائل. من الإيثيلين إلى أكسيد الإيثيلين، ومنه إلى البوليمرات، ثم إلى منتجات تملأ حياتنا، تمتد سلسلة لا نكاد نراها، لكنها تُشكّل واقعنا في كل لحظة.

ومع مرور الزمن، لم تعد الأسئلة تقنية فقط، بل أصبحت وجودية أيضًا. هل كل ما يمكن تحويله يجب تحويله؟ هل كل مسار متاح ينبغي أن نسلكه؟ كيف نوازن بين حاجتنا للمواد الجديدة، وبين أثرها على البيئة، على الصحة، على المستقبل؟ فالبلاستيك، الذي بدأ كإنجاز، أصبح في بعض صوره عبئًا، وأكسيد الإيثيلين، الذي فتح أبوابًا، يفرض علينا أن نُحسن إغلاقها حين يلزم.

وهنا، تعود الفلسفة إلى قلب الكيمياء. لا كزينة فكرية، بل كضرورة. لأن العلم، حين يبلغ هذا المستوى من التأثير، لا يمكن أن يُترك دون سؤال. لا عن الكيفية فقط، بل عن الغاية. لا عن الإمكان فقط، بل عن الاختيار.

إن أكسدة الإيثيلين، بهذا المعنى، ليست مجرد عملية صناعية، بل قصة عن التحول. عن تلك اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن لا يكتفي بما هو موجود، بل يسعى إلى ما يمكن أن يكون. لكنها أيضًا تذكير بأن كل تحول يحمل في داخله تبعاته، وأن كل باب نفتحه، يفتح معه أسئلة جديدة.

في النهاية، لا تخبرنا هذه العملية كيف نصنع مادة فحسب، بل كيف نفهم العالم كمساحة من الإمكانات. وأن الجزيء، مهما بدا بسيطًا، قد يكون بداية لسلسلة لا تنتهي. وأن الكيمياء، في أعمق معانيها، ليست علم المادة فقط، بل علم التحول… علم أن الأشياء يمكن أن تصبح أكثر مما هي عليه، إذا ما وُجد من يجرؤ على إعادة تخيلها.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى / المركز القومى للبحوث/ مصر ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاته العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثه وبراءات اختراعه العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51