كيمياء التفكيك الخلّاق: حكاية الجزيئات حين تتحرر

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

في أعماق النفط الخام، حيث تصطف الجزيئات الثقيلة كأنها ذاكرة جيولوجية متراكمة عبر ملايين السنين، تتشكل حكاية لا يمكن اختزالها في رموز المعادلات أو حدود وحدات التكرير. إنها حكاية التحول في جوهره، كما يتجلى في التكسير الهيدروكربوني الحرارى أو الحفزى؛ ذلك الفعل الذي لا يمثل مجرد مرحلة صناعية، بل لحظة فاصلة تنكسر فيها البنية القديمة، من الجزيئات الكبيرة، لتُعاد صياغتها في صورة أكثر قدرة على التكيف. هنا، لا تتحطم الجزيئات عبثًا، بل تتحرر من ثقلها، لتولد من جديد في هيئة تلائم إيقاع عالم لا ينتظر، عالم لا يفسح مكانًا لما هو بطيء أو مثقل بالزمن.

الجزيئات الكبيرة، مثل الألكانات طويلة السلسلة، تبدو في استقرارها وكأنها نهاية الطريق. لكنها في الحقيقة مجرد بداية مؤجلة. فهذه البُنى، رغم ثقلها، تحمل في داخلها طاقة كامنة، تنتظر من يحررها. هنا يتدخل التكسير، لا بوصفه تدميرًا، بل بوصفه تحريرًا. الروابط التي كانت تُبقي الذرات في نظام صارم، تُكسر، لتُمنح هذه الذرات فرصة إعادة التشكّل، فرصة أن تكون شيئًا آخر.

فى التكسير الحراري للجزيئات، لا يمكن النظر إلى العملية بوصفها تفاعلًا كيميائيًا محايدًا خاليًا من الإرادة، بل هي أشبه بلحظة صدام حاد بين إرادة الإنسان وتماسك المادة. تحت وطأة درجات حرارة تتجاوز 500 درجة مئوية، وضغوط عالية لا تترك مجالًا للمراوغة، تُجبر الجزيئات على التخلي عن تماسكها، فتتفكك روابطها في مشهد أقرب إلى الانهيار القسري منه إلى التحول الهادئ. لا مجال هنا لحوار تدريجي؛ إنها لغة الفرض والإكراه. ومع ذلك، من قلب هذا العنف المنظم، ينبثق نظام جديد أكثر خفة ومرونة. تتحول البُنى الثقيلة إلى جزيئات أصغر مثل الإيثان والبروبان والبيوتان، بل وتظهر الأوليفينات كالإيثيلين، التي لم تكن جزءًا من التكوين الأول. هذه النواتج ليست مجرد بقايا تكسير، بل هي بذور صناعات كاملة، تُعيد تشكيل عالم المواد من حولنا، وتؤكد أن حتى أكثر التحولات قسوة يمكن أن تكون بداية لخلق جديد أكثر اتساعًا وتأثيرًا.

على سبيل المثال، إنتاج الإيثيلين؛ ذلك الجزيء البسيط في بنيته، العميق في أثره، قد يبدو عابرًا للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة يشكّل نقطة انطلاق لسلسلة لا تنتهي من التحولات الصناعية. فمنه يُشتق البولي إيثيلين، أحد أكثر المواد البلاستيكية حضورًا في تفاصيل حياتنا اليومية. من أكياس التسوق التي نحملها دون انتباه، إلى الأنابيب التي تنقل الماء والحياة، ومن مواد التغليف التي تحفظ المنتجات، إلى الأدوات الطبية التي تُستخدم في أدق اللحظات—كل ذلك يعود، في جذره، إلى تلك اللحظة الفارقة: لحظة تكسير، لحظة انكسار رابطة، تحوّلت فيها المادة من ثقلها الأول إلى إمكانات لا تُحصى.

أما التكسير الحفزي، فهو انتقال من القوة إلى الذكاء. هنا تتجلى براعة الهندسة الكيميائية في أعلى صورها. باستخدام محفزات مثل الزيوليت، تُوجَّه التفاعلات بدقة مذهلة. لا تُكسر الروابط عشوائيًا، بل بطريقة محسوبة، تُعطي أفضل توزيع ممكن للنواتج. البنزين عالي الأوكتان، الذي تعتمد عليه محركات السيارات الحديثة، هو نتيجة مباشرة لهذه العملية. في وحدات التكسير الحفزي المائع ، والتي تُعد من أهم وحدات المصافي، يتحول الغاز الثقيل إلى وقود خفيف وغازات مفيدة. هنا، لا نرى فقط تفاعلًا، بل نظامًا متكاملًا: مفاعل، مجدد محفز، تدفقات مستمرة، وتحكم دقيق في درجات الحرارة. وكأننا أمام كائن حي صناعي، يتنفس، ويتحول، ويُعيد إنتاج نفسه باستمرار. ومن الأمثلة التطبيقية البارزة أيضًا، إنتاج البروبلين، الذي يُستخدم في صناعة البولي بروبيلين. هذا البوليمر يدخل في تصنيع كل شيء تقريبًا: من أجزاء السيارات إلى الأثاث، من الألياف الصناعية إلى الأجهزة الطبية. مرة أخرى، نعود إلى نفس النقطة: جزيء كبير تم تفكيكه، ليُصبح أساسًا لعالم جديد.

لكن التكسير لا يخدم فقط صناعة الوقود أو البلاستيك، بل يمتد تأثيره إلى مجالات دقيقة. في الصناعات البتروكيميائية، تُستخدم نواتج التكسير كمواد أولية لإنتاج الكحولات، والمذيبات، والمواد الدوائية. الإيثيلين يمكن أن يتحول إلى إيثانول، والبروبلين إلى أكريلونيتريل، وهكذا تتشعب المسارات، وتتعقد الشبكة، ويصبح التكسير نقطة البداية لسلسلة لا تنتهي من التحولات.

وإذا انتقلنا إلى مستوى أعمق، سنجد أن التكسير يُعيد تعريف مفهوم القيمة. ما كان يُعتبر “بقايا ثقيلة” في النفط، يتحول إلى مصدر رئيسي للربح. إنه نوع من العدالة الجزيئية: لا شيء يُهمل، بل كل شيء يُعاد توظيفه. هذه الفكرة، في جوهرها، تعكس فلسفة كاملة في التعامل مع الموارد: ليس المهم ما تملك، بل كيف تُعيد تشكيله. حتى بيئيًا، ورغم أن التكسير مرتبط بصناعة الوقود الأحفوري، إلا أن تطوير تقنياته ساهم في تحسين كفاءة استخدام النفط، وتقليل الفاقد، وزيادة إنتاج الوقود النظيف نسبيًا. كما أن الأبحاث الحديثة تتجه نحو استخدام نفس المبادئ في تكسير الكتلة الحيوية، وخلق بدائل مستدامة، مما يعني أن الفكرة ذاتها – فكرة التفكيك لإعادة البناء – يمكن أن تمتد إلى ما بعد النفط.

وهكذا، يصبح التكسير الهيدروكربوني أكثر من مجرد عملية صناعية. إنه مرآة لطبيعة العالم: كل بنية تحمل في داخلها إمكانية الانكسار، وكل انكسار يحمل إمكانية الخلق. في كل مرة تُكسر فيها رابطة كيميائية، لا نفقد شيئًا، بل نفتح بابًا. وفي كل جزيء صغير يولد من هذا الانكسار، تبدأ قصة جديدة… قصة حركة، وطاقة، وإمكان. لذلك، حين ننظر إلى محرك سيارة يعمل بسلاسة، أو إلى منتج بلاستيكي بسيط بين أيدينا، ربما يجدر بنا أن نتذكر أن خلف هذا الهدوء الظاهري، كانت هناك لحظة عنيفة، لحظة تكسير… لكنها، كانت لحظة بناء.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى / المركز القومى للبحوث/ مصر ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاته العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثه وبراءات اختراعه العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51