يتم التعامل في بعض الحالات مع مجال البحث والتطوير والابتكار كمسار طويل الأمد يمكن تأجيله إلى حين توافر الظروف الملائمة. فهذا التصور لم يعد مقبولا في عالم تتسارع فيه المتغيرات وتتفاقم فيه الأزمات، فالابتكار والبحث والتطوير ليس خياراََ يمكن تأجيله، بل من المقومات الاستراتيجية التي تصنع فارقًا حقيقيًا في مسارات التنمية الوطنية، وتحدد قدرة الدول ليس فقط على التكيّف؛ بل على التقدم، والاستمرار.
خلال فترات الاستقرار، يشكّل هذا المجال محرك أساسي للتحول الاقتصادي، والتنويع، وتعزيز الإنتاجية. وفي أوقات الأزمات، يتحول إلى أداة حاسمة لدعم الاستمرارية وتحقيق الأهداف الوطنية على المدى الطويل، وتزداد أهمية هذا الموضوع اليوم في دول مجلس التعاون الخليجي، وتحديداََ في قطر، في ظل ما تشهده المنطقة من اضطرابات جيوسياسية وحالة متزايدة من عدم اليقين، لا تملك الدول القدرة على الصمود والازدهار إلا إذا امتلكت قاعدة تقنية متقدمة، وبنية مؤسسية راسخة، ومنظومة ابتكار قادرة على الاستجابة تحت الضغط. وهذه القدرة لا تُبنى بالصدفة، بل عبر الاستثمار المستدام في البحث والتطوير والابتكار.
البحث والتطوير والابتكار أساس التقدّم
يلعب مجال البحث والتطوير والابتكار دورًا محوريًا في مسيرة التنمية الوطنية. فهو يرفع الإنتاجية، ويساعد على تطوير قطاعات جديدة، ويقلل الاعتماد على مصادر محدودة للدخل. الدول التي تمتلك منظومات متقدمة في هذا المجال تكون أقدر على تنويع اقتصادها والاستجابة للتغيرات المفاجئة. وهنا تبرز الأهمية الاستراتيجية الحقيقية لهذا المجال؛ إذ يساهم البحث والتطوير والابتكار في بناء الأنظمة، وتطوير الكفاءات، وتعزيز قدرة المؤسسات، ومد جسور المعرفة، بما يكوّن أساسًا للصمود في المستقبل، كما يعزز قدرتها على التكيف السريع.
ومن دون هذا الأساس، تجد الدول نفسها مضطرة إلى الاكتفاء بإجراءات محدودة، وقدرة أضعف على التكيف.
إن القيمة الحقيقية للبحث والتطوير والابتكار لا تكمن فقط فيما ينجزه في أوقات الاستقرار، بل فيما يرسخه من جاهزية وقدرة تُمكِّن الدول من التعامل مع الأزمات عند حدوثها.
عند الأزمات، يصبح الابتكار أداة مباشرة
عندما تقع الأزمات، سواء كانت حروبًا، أو جوائح، أو كوارث طبيعية ،أو مواجهة تحديات كبيرة في سلاسل الإمداد، يتحول البحث والتطوير والابتكار إلى أداة مباشرة للتعامل مع الواقع. فهو يساعد على حل المشكلات بسرعة، وتعديل الأنظمة، وضمان استمرار العمل والاقتصاد. كما يتيح للدول ومؤسساتها الاستجابة بشكل أسرع، وإعادة ترتيب أولوياتها، والحفاظ على أدائها في الظروف الصعبة.
وتُظهر الأزمات الفرق بوضوح بين الدول القادرة على الابتكار تحت الضغط، وتلك التي لا تملك هذه القدرة. وغالبًا لا يظهر هذا الفرق في لحظة الأزمة نفسها، بل يكون نتيجة قرارات اتُخذت قبل سنوات، حول ما إذا كان البحث والتطوير والابتكار أولوية فعلية أم لا.
وهنا تتضح أهميته الحقيقية، فالأزمة هي الوقت الذي تصبح فيه القدرة على الابتكار أكثر ضرورة من أي وقت آخر. والسؤال المطروح لا يتعلق بقدرة الدول على تحمّل البحث والتطوير والابتكار في وقت الأزمة، بل بقدرتها على مواجهة الأزمة من دونه.
التاريخ يثبت أن الاستثمار في أوقات الاستقرار يصنع الفارق في أوقات الأزمات
يقدّم التاريخ أدلةً متكررة على أن الإنجازات التكنولوجية الكبرى تتسارع في فترات الأزمات، غير أنها لا تصبح ممكنةً إلا نتيجة قدرات بُنيت على مدى سنوات. فقد ساهمت الحرب العالمية الثانية في دفع التقدم في تقنيات الحاسب الآلي والرادار والطيران، بينما أدت الحرب الباردة إلى تطوير الإنترنت ونظام تحديد المواقع والأقمار الصناعية. وخلال جائحة كوفيد-19، انتقلت لقاحات mRNA والمنصات الرقمية من مرحلة الفكرة العلمية إلى الاستخدام العالمي في وقت قياسي.
على الدول أن تعمّق استثمارها في البحث والتطوير والابتكار في فترات الاستقرار، لا أن تؤجّله، لأن مواجهة الأزمات تعتمد على جاهزية وسرعة الاستجابة.
والأزمة، بطبيعتها، تختصر الوقت وتدفع الاهتمام والتمويل نحو الحلول العاجلة. لكن النجاح فيها لا يعتمد على الحلول اللحظية وحدها، بل على وجود قاعدة بحثية قوية، وكفاءات مؤهلة، وبنية تحتية مناسبة، وتنسيق مؤسسي فعّال.
وينطبق هذا اليوم على التقنيات التي تؤثر في مشهد المنطقة، مثل الذكاء الاصطناعي، والأنظمة الذاتية، والاتصالات عبر الأقمار الصناعية، والقدرات السيبرانية. فهذه التقنيات ليست نتاج لحظة واحدة، بل ثمرة استثمار طويل في البحث والتطوير والابتكار. وهذه هي النقطة التي ينبغي لصنّاع القرار ألا يغفلوها: ما نملكه اليوم في الأزمات هو نتيجة لما استثمرناه بالأمس.
البحث والتطوير والابتكار: خيار الدول الرائدة في الأزمات
عندما تزداد الضغوط الخارجية، يصبح البحث والتطوير والابتكار جزءًا من الحل، وتتجه الاستثمارات نحو القطاعات الحيوية، وتعزيز القدرة الاقتصادية، وبناء أسس أقوى للمستقبل.
فعلى سبيل المثال، خلال جائحة كوفيد-19، سارعت سنغافورة إلى تسريع وتيرة الابتكار في مجال التشخيص، ثم مضت لاحقًا إلى تعزيز قدراتها في تصنيع اللقاحات والمستحضرات الحيوية، بوصف ذلك جزءًا من جاهزيتها الوطنية. وفي مواجهة هشاشة سلاسل إمداد أشباه الموصلات، عمدت كوريا الجنوبية إلى توسيع دعمها للبحث والتطوير في هذا القطاع، إلى جانب تعزيز البنية التحتية للاختبار والقدرات الإنتاجية. أما اليابان، فقد أدخلت، عقب زلزال شرق اليابان الكبير وكارثة فوكوشيما، العلوم والتكنولوجيا والبحث العلمي ضمن جهود إعادة الإعمار طويلة الأمد. وفي جميع هذه الحالات لم تدفع الأزمة بالبحث والتطوير والابتكار إلى الهامش، بل جعله جزءًا محوريًا من طريقة تعامل الدولة مع التحديات.
وهكذا تتجلى ملامح البحث والتطوير والابتكار حين يتعرض للضغوط: فهو لا يغيب عن الأجندة الوطنية، بل يقترب أكثر من مركز القرار، ويتحوّل إلى جزء لا يتجزأ من آليات الاستجابة.
وتدخل قطر هذه المرحلة وهي تمتلك قاعدة في البحث والتطوير والابتكار أقوى من كثير من نظرائها في المنطقة، وذلك بفضل التركيز المتواصل من قيادتها الرشيدة. فقد استطاعت الدولة، خلال العقدين الماضيين، أن تبني منظومة متكاملة عبر اتباع سياسات مدروسة والتزام مؤسسي مستمر. وكانت قطر أول دولة في المنطقة تؤسس جهة وطنية متخصصة بتمويل البحث العلمي. كما تمتلك اليوم استراتيجية وطنية واضحة: استراتيجية قطر للبحث والتطوير والابتكار 2030، إلى جانب بنية بحثية متقدمة، وجامعات ذات مستوى عالمي، وقدرة على استقطاب الكفاءات الدولية، وإبرام شراكات خارجية فعالة. ويضاف إلى ذلك ما يشهده القطاع الخاص من نمو في قاعدة الابتكار، مدفوعًا بالشركات الناشئة المحلية والدولية التي توسّع حضورها في الدولة.
ومن هذا المنطلق، ينبغي النظر إلى البحث والتطوير والابتكار الاستراتيجي باعتباره جزءًا أساسيًا من نهج قطر في التعامل مع بيئة تتسم
بمزيد من التقلب وعدم الاستقرار.
وهذا يتسق تمامًا مع استراتيجية التنمية الوطنية الثالثة (NDS3)، التي تضع القدرة على مواجهة التحديات، والتنويع الاقتصادي، والإنتاجية، في صميم المرحلة المقبلة من التنمية. وفي هذا الإطار، لا يُعد البحث والتطوير والابتكار مسألة داعمة أو ثانوية، بل يُعدّ قدرة وطنية راسخة وركيزة أساسية للمستقبل.
التردد هو الخطر الأكبر
الخطر في الاضطراب الذي يصيب الأسواق، والخدمات اللوجستية، وسلاسل الإمداد قائم، لكن الأثر الأعمق يتمثل في خسارة القدرة على الابتكار والتنافس على المدى الطويل. فعندما يُؤجَّل البحث والتطوير والابتكار في وقت الأزمة، تبدأ الدول بفقدان زخمها التكنولوجي. كما تضعف بيئة الابتكار، وتتراجع القدرة التنافسية، وقد تبدأ الكفاءات البشرية بالمغادرة. وحتى القدرات التي بُنيت خلال سنوات الاستقرار قد تتآكل مع الوقت. وعندما يبدأ هذا التراجع، تصبح العودة أصعب وأكثر كلفة.
وهذا خطر يجب أن تنتبه له قطر جيدًا. فالنظام القوي للبحث والتطوير والابتكار يكون أكثر قيمة عندما تصبح الاستمرارية، والقدرة على التكيّف، والاستعداد للمستقبل
من أولوياته القصوى.
التحول من بناء القدرات إلى توظيفها
تمتلك دولة قطر بنية تحتية راسخة لمنظومة البحث والتطوير والابتكار، ولا تحتاج إلى إعادة بنائها بالكامل. أما المهمة الاستراتيجية اليوم، فهي حماية هذه المنظومة، ومنحها الأولوية، وتوظيفها بصورة أكثر فاعلية. تميل المؤسسات في فترات الاستقرار إلى التركيز على بناء القدرات، بينما يتحول هذا التركيز في الأزمات إلى توظيف تلك القدرات، بما يعني تسخير المعرفة والتكنولوجيا والشراكات للاستجابة للاحتياجات الوطنية العاجلة.
ويعني ذلك التركيز على المجالات التي تعزز الصمود في الأزمات والقدرة التنافسية في أوقات الاستقرار. فالتقنيات الاستراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة المتقدمة، وأشباه الموصلات، ينبغي أن تحتل موقعًا أعلى في جدول الأولويات. وينطبق الأمر نفسه على الأمن السيبراني، والبنية التحتية الرقمية، وقطاع الطاقة والقطاع الصناعي، والابتكار في سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية، والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج، وأمن المياه والغذاء. وهذه ليست أولويات منفصلة، بل هي مجالات موحدة ترتبط مباشرة بمواجهة التحديات اليوم، كما تنسجم مع رؤية قطر الوطنية 2030 وأهداف استراتيجية التنمية الوطنية الثالثة (NDS3) للتنمية الوطنية بعيدة المدى.
الخيار الاستراتيجي الحاسم
الدول التي لا تستثمر بما يكفي في البحث والتطوير والابتكار خلال الأوقات المستقرة، تكون أقل استعدادًا عند وقوع الأزمات. والدول التي تُهمِّش البحث والتطوير والابتكار في الأزمات تتراجع أكثر، بينما الدول التي تحمي هذا المجال وتعيد توجيهه بذكاء تخرج من الأزمات أقوى وأكثر قدرة على التكيّف.
وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يفرض نفسه على قطر وغيرها من الدول المماثلة، فالسؤال ليس ما إذا كان ينبغي الاستثمار في البحث والتطوير والابتكار، بل ما إذا كان يجب الاستمرار فيه، واعتباره قدرة وطنية أساسية في فترات الاستقرار والأزمات على حد سواء.
إن البحث والتطوير والابتكار ليست رفاهية، بل جزء من الطريقة التي تحمي بها الدول مستقبلها.



