الـ VPN في إيران: بين السيادة الرقمية والانكشاف الأمني

إبراهيم صفا

مقدمة

تشهد البيئة الرقمية في إيران تحولات عميقة نتيجة السياسات الحكومية الهادفة إلى تعزيز ما يعرف بـالسيادة الرقمية، وعلى رأسها مشروع الشبكة الوطنية للمعلومات الإيرانية، ورغم أن هذا التوجه يهدف إلى تقليل الاعتماد على الإنترنت العالمي، إلا أنه أدى إلى تغييرات جوهرية في سلوك المستخدمين ورفع مستوى الاعتماد على تقنيات تجاوز الحجب مثل الشبكات الافتراضية الخاصة VPN، وذلك من أجل حرية مشاهدة ما يريدونه.

في المقابل، لم يعد استخدام الـ VPNخيارا تقنيا فقط، بل أصبح ضرورة يومية لملايين المستخدمين للوصول إلى الخدمات والتطبيقات المحجوبة، إلا أن هذا الاعتماد المتزايد يفتح الباب أمام تحديات أمنية معقدة تتعلق بالخصوصية، وسلامة البيانات، وموثوقية مزودي الخدمة.

المصطلحالشرح المبسط للقارئ غير المتخصص
الإنترنت الداخلي Intranetشبكة مغلقة داخل حدود الدولة؛ تسمح بالوصول للمواقع المحلية وتظل تعمل، حتى لو عزل العالم الخارجي تماما.
بروتوكول بوابة الحدود BGPشرطي المرور للإنترنت؛ يعمل كونه الأداة التقنية التي تسمح للحكومة بإعادة توجيه البيانات لقطع الاتصال العالمي مع إبقاء الشبكة الوطنية حية.
أرقام الأنظمة المستقلة ASNsمعرفات فريدة للشبكات، تستخدم كأحجار بناء لتنظيم حركة المرور داخل هيكل نظام الدولة وضمان استقلاله.
“الخطوط البيضاء White Lines”هي خطوط إنترنت “مفتوحة” وغير خاضعة للفلترة، تمنح حصريا للمسؤولين، ونواب البرلمان الإيراني، والأجهزة الأمنية الإيرانية ليقوموا ما يردونه من تصفح على الشبكة المعلوماتية، بحسب ما تتحدث عنه المعارضة الإيرانية.
ما هو الـ VPN؟الشبكة الافتراضية الخاصة، وهي خدمة تدعي حماية هوية المستخدم على الإنترنت، فبدلا من تقديم معلوماتك لمزود خدمة الإنترنت، تقدمها لشركة الـ VPNالتي تقوم بتشفيرها، مما يسمح للمستخدمين بتجاوز الرقابة الحكومية وممارسة أنشطة على الإنترنت لا يرغبون في ربطها بأنفسهم.
البروكسي Proxyوسيط بين جهازك والإنترنت، فبدل الاتصال مباشرة بالموقع، يتم تمرير طلبك عبر خادم وسيط، وهذا الخادم يتواصل مع الموقع نيابة عنك.
بروتوكولات التشفيرهي القواعد والمعايير التقنية التي تستخدم لحماية البيانات أثناء نقلها أو تخزينها، بحيث لا يستطيع أي طرف غير مصرح له قراءتها أو التلاعب بها، أي ببساطة هي التي تجعل الاتصال بينك وبين الإنترنت مشفّر وآمن.
المصطلحات الواردة في المقال

سياق التحول نحو السيادة الرقمية

ChatGPT Image Mar 23 2026 10 33 27 PM الـ VPN في إيران: بين السيادة الرقمية والانكشاف الأمني مجلة نقطة العلمية
بين السيادة الرقمية والانكشاف الأمني

تمثل الشبكة الوطنية للمعلومات NIN في إيران، تحولا بنيويا في فلسفة الدولة تجاه الفضاء السيبراني؛ إذ لم تعد المسألة مجرد حجب لمواقع إلكترونية، بل محاولة استراتيجية لإعادة تعريف معنى السيادة الرقمية في مواجهة ما تصفه طهران بـالاحتكار العالمي للإنترنت.

يهدف هذا المشروع، الذي يحظى بدعم مباشر من الحرس الثوري الإيراني، إلى بناء بنية تحتية معزولة تضمن استمرارية الخدمات الحيوية محليا مع القدرة على قطع الاتصال بالعالم الخارجي عند الحاجة.

بدأت جذور المشروع عام 2005، لكن التنفيذ الفعلي تسارع منذ عام 2013 كجزء من خطة التنمية الاقتصادية الخامسة، وقد رصدت الحكومة ميزانية تقدر بنحو 200 مليون دولار لتطوير البنية التحتية والمحتوى، وصولا إلى توقيع برامج هندسية معقدة في سبتمبر 2020، ومع نهاية عام 2025، المفترض أن برنامج التنمية السابع بحسب الحرس الثوري يهدف إلى الوصول بنسبة تنفيذ الشبكة إلى 99%، ولكن يا ترى هل اتخذ المشروع أهمية كبيرة في العمل على تنظيم تطبيقات الـ VPN؟!

خلف الشعارات التقنية، تكمن دوافع أمنية تهدف إلى تحويل العلاقة بين المواطن والفضاء الرقمي من الانفتاح العالمي إلى التبعية المحلية، حيث إن هذا التوجه يمنح السلطة الإيرانية القدرة على فرض ما من الممكن تسميته بالتعتيم الرقمي الشامل، كما حدث في احتجاجات 2019 و2025، مما يجعل السيادة الرقمية مرادفا فعليا للعزلة التقنية الممنهجة بحسب المعارضة الإيرانية لا لأجل حماية مكونات ومرافق وهيئات الدولة.

وجه المقارنةالأهداف المعلنةالواقع التشغيليالأثر على الأمن القومي
الاستقرار والأمنحماية البيانات من الهجمات الخارجيةأداة مراقبة لحظية لحماية المواطنينعزل الكوادر عن التحديثات الأمنية العالمية في حال كانت الأجهزة والبرامج تحتاج لذلك
السيادة الرقميةاستقلال البنية التحتية عن ما يعرف بـالاستعمار الرقميالقدرة على الحماية المعلوماتية الكاملة أثناء الأزماتدفع مستخدمين لاستخدام VPN مجهول، مما يخرق السيادة فعليا
النمو الاقتصاديتوفير خدمات سريعة ومنخفضة التكلفةالتقليل من التجارة الرقمية بحسب إذا كانت مضرة أو نافعة، وتحويلها لبيئة قد تكون طاردة للابتكارنشوء “اقتصاد الظل” أو مافيا الـ VPNالذي يستنزف العملة الصعبة
مقارنة تحليلية بشكل عام عن الأهداف المعلنة مقابل الواقع التشغيلي والأثر الأمني

فهم بنية الإنترنت الداخلي Intranet

تعتمد الشبكة الوطنية على فلسفة الفصل المادي والمنطقي لحركة البيانات، وتكمن الأهمية التقنية لهذه البنية في قدرة النظام على تشغيل الخدمات الأساسية كالبنوك والمؤسسات الحكومية عبر شبكة داخلية حتى في حال انقطاع الكابلات الدولية، أو صدور قرار سياسي بقطع الإنترنت العالمي.

وتعمل البوابة الحكومية المتحكم بها، كمصفي مركزي لمنع أو سماح ما يجب مروره، ويتم أيضا تقليص الاعتماد على الأجهزة الغربية واستبدالها بحلول محلية أو بديلة من منتجات الدول الحليفة المعنية، مما يعزز قدرة الدولة على مراقبة بوابات العبور الدولية وفرض قيود موجهة بدقة عالية.

آليات الرقابة الرقمية بتحديد الهوية والخصوصية

تتجاوز الشبكة الوطنية الحجب لتصل إلى مرحلة السيطرة الهيكلية عبر ربط الوصول الرقمي بالهوية الشخصية، وهذا الارتباط يجعل من المستحيل تقريبا العمل داخل الشبكة دون ترك أثر رقمي واضح لدى الأجهزة الأمنية.

PixVerse Image Effect prompt A country inside الـ VPN في إيران: بين السيادة الرقمية والانكشاف الأمني مجلة نقطة العلمية
  • تحديد الهوية الإلزامي: يشترط للوصول للشبكة التعريف عبر “الهوية الاجتماعية” وأرقام الهواتف الشخصية، مما ينهي عصر المجهولية الرقمية.
  • حوكمة النطاقات ومراكز البيانات: يمتلك المجلس الأعلى للفضاء الافتراضي سلطة مطلقة على نطاقات (.ir)، ويلزم الشركات باستخدام مراكز بيانات محلية وتسجيل عناوين البروتوكول IP الخاصة بها، مما يضع بيانات القطاع الخاص تحت الرقابة المباشرة للمجلس.

إن توطين البيانات لا يقتصر تأثيره على تقييد تدفق المعلومات، بل يمنح الجهات التي تدير هذه البيانات قدرة متقدمة على تحليلها. ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح من الممكن استخراج أنماط دقيقة تتعلق بالصوت والسلوك والتحركات، ومع ذلك، فإن وجود قوانين وتعليمات واضحة لحماية البيانات الشخصية يمكن أن يساهم في الحد من هذه المخاطر، شريطة أن يتم تطبيقها بفعالية، وأن تستخدم البيانات فقط في إطار قانوني واضح، خاصة عند التعامل مع التهديدات أو الحالات الأمنية.

وفي ظل غياب الشفافية، قد تتحول هذه القدرات إلى أدوات مراقبة عالية الدقة، مما يزيد من المخاطر المرتبطة بتتبع الأفراد أو استهدافهم بطرق غير مباشرة.

اقتصاد ومخاطر أدوات كسر الحجب VPN

مع اتساع رقعة الحجب، تحول كسر الحجب من ممارسة تقنية إلى ظاهرة اقتصادية وسياسية معقدة. فالحظر لم يمنع الوصول، بل نقله إلى السوق السوداء الرقمية.

تشير التقديرات الإحصائية عام 2025، ومنها تقارير في وسائل إعلام إيرانية عديدة أن هناك سوقا ضخما لخدمات الـ VPN يعتمد على الاشتراكات والدفع غير المنظم، ويتحرك خارج الأطر الرسمية، وهذا يؤدي إلى اقتصاد رقمي موازي، وصعوبة في التنظيم والرقاب، وانتشار خدمات غير موثوقة.

وتشير التقارير ذاتها إلى أن الإيرانيين ينفقون سنويا نحو 4.5 مليار دولار على هذه الأدوات، حيث يتراوح حجم التداول المالي لما بما يعرف بـ”مافيا الــVPN” بين 50 ألف مليار و300 ألف مليار تومان أي 365 مليون و2.19 مليار دولار أمريكي سنويا، وارتفاع في تحميل تطبيقات الـ VPN بنسبة 579% خلال ذروة التوترات الأخيرة، عدا عن زيادة البحث عن “الوكيل Proxy” على منصة التواصل الاجتماعي تلغرام بثمانية أضعاف، وتؤكد تصريحات رسمية صادرة عن وزارة الاتصالات الإيرانية أن أكثر من 80% من المستخدمين يعتمدون على VPN، وهو رقم يعكس تحولا جذريا في طبيعة الاتصال الرقمي داخل البلاد.

المخاطر الاستراتيجية والقرصنة

ChatGPT Image Mar 24 2026 01 11 50 PM الـ VPN في إيران: بين السيادة الرقمية والانكشاف الأمني مجلة نقطة العلمية
الذكاء الاصطناعي له أهمية عند المخترقين لأجل التجسس
  • التجسس الصوتي والذكاء الاصطناعي: بحسب ما أفادت تقارير أمنية أن “الموساد” والـ CIA استخدمتا برمجيات VPN ملغومة مجانية ومدفوعة لتتبع هواتف ذوي المسؤولين، والخطورة تكمن في قدرة الذكاء الاصطناعي على تحديد الهوية عبر تحليل البصمة الصوتية Voice Recognition حتى عبر الهواتف الأرضية، مما يعتقد أنه سهل عمليات اغتيال قادة عسكريين الذين تم تشييعهم مؤخرا في ذلك الوقت.
  • أجهزة تجسس متنقلة: تطبيقات الـ VPN المجهولة تحول الهواتف إلى ميكروفونات مفتوحة وكاميرات تتبع لحظية، مما يجعل مراقبة تحركات القادة والاجتماعات الأمنية أمرا يسيرا للاستخبارات الأجنبية.
  • التحذير الرسمي: كان قد لمح وزير الاتصالات عيسى زارع بور في عام 2022، بوضوح إلى التوجه نحو تجريم” بيع الـ VPN، محذرا من أنها تفتح ثغرات أمنية فادحة تسهل القرصنة واختراق خصوصية المستخدمين، إلا أنه وبالرغم من ذلك لم تكن هناك استجابات كبيرة على ما يبدو، مما يعني أن مافيا الـ VPNمازالت مسيطرة بشكل كبير على المشهد الذي سيؤدي لمزيد من الاختراقات السيبرانية.

فئات الـVPN بشكل عام

أنواع وتصنيفات الشبكة الافتراضية الخاصة VPN، تقسم في مرات بحسب الاستخدام ونوعية الاتصال المراد قيام به عبرها، وأيضا مدى أمان الأداة المستخدمة والتقنية الموجودة فيها وبحسب إذا كانت مجانية أو مدفوعة، وفي ما يلي جدول عن هذه الأداة بشكل عام:

الفئة الرئيسيةالنوعالوصف المبسطالاستخدام الشائعمستوى المخاطر
حسب الاستخدامVPN الشخصييستخدمه الأفراد لتصفح الإنترنت وفتح المواقع المحجوبةالاستخدام اليوميمتوسط إلى مرتفع حسب المزود
VPN الخاص بالشركاتيربط الموظفين بشبكة الشركة بشكل آمنالشركات والعمل عن بعدمنخفض إذا أدير بشكل صحيح
حسب الاتصالRemote Access VPNاتصال المستخدم بشبكة من أي مكانالأفراد والموظفونمتوسط
Site-to-Site VPNربط شبكات كاملة مع بعضهاالشركات والمؤسساتمنخفض
حسب الأمانVPN موثوقمزود معروف بسياسات واضحة وتشفير قويالاستخدام الآمنمنخفض
VPN غير موثوقتطبيقات مجهولة أو مجانية بدون شفافيةتجاوز الحجب السريعمرتفع
حسب التقنيةVPN تقليدييعتمد بروتوكولات مثل OpenVPN وWireGuardالأمان والتصفح العاممنخفض إلى متوسط
VPN مموّهيستخدم لتجاوز أنظمة الحجبالدول المقيدةمتوسط
أدوات بديلة أكثر تقدما من تطبيقات VPN المستخدمة 2Ray/Shadowsocksأدوات متقدمة لتجاوز الرقابةالاستخدام التقني المتخصصون فقطمتوسط إلى مرتفع
حسب الخدمةVPN مدفوعخدمة مستقرة مع دعم وأمان أفضلالاستخدام طويل المدىمنخفض
VPN مجانيسهل الاستخدام لكنه قد يستغل البياناتالاستخدام السريعمرتفع

يكمن الخطر الوجودي هنا في أن اقتصاد الـ VPN خلق ثغرة أمنية هائلة؛ حيث يتم تداول ملايين النسخ من برامج “ملغومة” طورتها شركات مرتبطة باستخبارات أجنبية. هذه البرمجيات تمنح جهات خارجية وصولا كاملا للأجهزة، مما يجعل الدولة التي سعت للسيادة الرقمية عبر الحجب هي نفسها التي دفعت مواطنيها ومسؤوليها للارتماء في أحضان برمجيات التجسس الدولية.

التهديدالاحتماليةالتأثيرمستوى الخطر
VPN خبيثعاليعاليمرتفع جدا
تسريب DNSعاليمتوسطمرتفع
تحليل حركة البياناتمتوسطعاليمرتفع
اختراق الجهازمتوسطعالي جدًاحرج
بيع البياناتعاليمتوسطمرتفع
تحليل مخاطر استخدام تطبيقات الـ VPN

وهناك أدوات كنت أوضحت عنها في جدول سابق أنها تعتبر متقدمة عن التطبيقات المستخدمة، ولكن ما يجب فهمه أيضا أن جميعها تعتمد على خوادم وسيطة، مما يعني أن البيانات تمر عبر أطراف ثالثة قد لا تكون موثوقة.

العنصرShadowsocksV2Ray
التعقيدمنخفضمرتفع
الأداءسريعمرن
التمويهمحدودمتقدم
سهولة الاستخدامعاليةمتوسطة/صعبة
جدول توضيحي ما هو في المصادر التقنية المباشرة https://shadowsocks.org ،https://www.v2ray.com. وتقارير دولية عن دراسات حول الرقابة وتجاوز الحجب https://citizenlab.ca، وتحليل أدوات الخصوصية والرقابة https://www.eff.org، ومفاهيم الثقة ونقل البياناتhttps://owasp.org.

الإنترنت الطبقي و”الخطوط البيضاء” والفجوة الرقمية

أفرز النظام الحالي بحسب ما تقوله منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة ما يعرف بـالإنترنت الطبقي The stratified internet وهو شكل من أشكال التمييز الهيكلي الذي يمنح امتيازات وصول متفاوتة بناء على الولاء والموقع السياسي.

مقارنة تجربة المستخدم:

  • المواطن العادي: بحسب تقارير، يواجه بطأ شديدا، وتكاليف VPN باهظة، ومخاطر اختراق مستمرة، وقفزة في استخدام كواسر الحجب تجاوزت 579%.
  • النخبة: وصول مباشر وبسرعات عالية للشبكة العالمية دون رقابة، واستخدام مباشر للمنصات المحظورة مثل “إكس”، وهؤلاء هم أصحاب ما يعرف بالخطوط البيضاء.

وتكشف تقارير عن الاعترافات البرلمانية الإيرانية، أن استمرار الحجب ليس ضرورة أمنية فقط، بل هو استغلال مالي ضخم؛ إذ ترتبط ما تعرف بمافيا الـ VPN بعلاقات مصالح وقرابة مع بعض المسؤولين الذين يفرضون الحجب من جهة، ويربحون من خلال بيع أدوات الالتفاف عليه من جهة أخرى.

ووفق تقارير إعلامية نقلت عن تقارير إعلامية حكومية، منها وكالة خبر أونلاين، عن أحمد بخشايش أردستاني، عضو لجنة الأمن في برلمان النظام الإيراني، تأكيده أنه منذ لحظة دخول النواب إلى المجلس، يصبح الإنترنت لديهم مفتوحا بالكامل ليتمكنوا من متابعة أعمالهم.

ولم يقتصر الأمر على النواب، بل أكد أردستاني أيضا أن الكثير من المؤسسات، مثل الأجهزة الاستخباراتية والأمنية، تستخدم ما يسمى بالخطوط البيضاء.

العنصرإيرانالصينروسيا
وضع استخدام الـVPNعالية جدامتوسطةمتوسطة
الرقابةشديدةشديدة جدامتوسطة
سوق الـ VPNسوداءمنظمة جزئيامختلطة
المخاطر الأمنيةمرتفعة جدامتوسطةمتوسطة
مقارنة دولية بين إيران وروسيا والصين، وتم بناء هذه المقارنة بحسب توثيق المشاريع التقنية V2Ray وShadowsocks، إلى جانب تقارير دولية حول الرقابة على الإنترنت صادرة عن جهات مثل EFF وCitizen Lab وFreedom House، بالإضافة إلى تقارير إعلامية وبيانات رسمية.

“مفارقة الأمن” والسياسة الارتدادية

في برنامج محاولة فهم على قناة الجزيرة على منصة اليوتيوب، قال الصحفي والأكاديمي المتخصص في الدراسات الإيرانية عبد القادر فايز أحد ضيوف الحوار في هذا البرنامج، بعد ما قاله مقدم البرنامج عثمان آي فرح وانتهى بسؤال، “إلى أي مدى هذه المشكلة كبيرة؟، لأنه عند المتابع يبدو أن النظام الإيراني مخترق حتى النخاع”، فأجابه عبد القادر “أن مشكلة الاختراق في إيران عميقة، والبعض يقاربها مقاربة غير دقيقة عندما يقدمها أنها مشكلة عابرة وهي ليست كذلك!”.

وأضاف الأكاديمي والمختص في الدراسات الإيرانية، أن الاختراق التقني موجود بشكل قطعي، وأعطى مثالا على ذلك أنه مع انتهاء حرب الـ12 يوم على إيران في عام 2025، صدر تقرير من وزارة الاستخبارات الإيرانية، يقول فيه أن هناك مليار ومائة وتسعون حساب VPN، أي بمعدل ما يقرب من 12 حساب لكل مواطن إيراني على اعتبار أن عدد سكان إيران يقارب 92 مليون نسمة، وأن هذه الحسابات تعود إلى 36 شركة عالمية تمتلك إصدارات برمجية للـVPN، و24% منها فقط موجودة في “إسرائيل”، ويخلص التقرير أنه عندما يكون لديك سياسة ما، يجب أن يكون لديك شيء من الاستشراف، وإلى أين هذه السياسة من الممكن أن تصل بك.

وقال عبد القادر عندما أخذ النظام على عاتقه أن يمنع وسائل التواصل الاجتماعي باستثناء الواتساب في الحروب ليعود بعدها ليفرج عنها، فإنه فتح الباب للمجتمع لاستخدام هذه التطبيقات، وتحدث عن أن هناك من يخرج ويعتبرون جزء من النظام في بعده الأمني، ليقوم ببيع جزء من هذه التطبيقات، لتنشأ معك حلقة تخادمية في هذا الشأن!

وأضاف فايز أن كل مواطن لديه اضطلاع بسيط على وسائل التواصل الاجتماعي، يكود لديه في جهازه الخلوي من 20 إلى 25 حساب VPN من شركات مختلفة، أم من يهوى كثيرا وسائل التواصل الاجتماعي ويتابعها بشكل كبير، فإن على جهازه يتواجد من 200 إلى 300 حساب VPN، بحيث إذا لم يعمل حساب يجرب حساب آخر، ويتم بيع هذه الحسابات بأسعار زهيدة أحيانا، ولكن عندما تتحدث عن عدد من يستخدم هذه الحسابات يصل تقريبا إلى 40 مليون شخص، فأنت بالتالي تتحدث عن تجارة رابحة بطبيعة الحال!

وقال إن هذه الحلقة التخادمية عندما تضع معها الفساد والإفساد أحيانا وذلك للاستفادة، وفي نفس الوقت تعمل على اتخاذ سياسات منع أخرى اتجاه وسائل التواصل الاجتماعي، فإنه سيؤدي إلى وجود هذه الحسابات، وقال فايز أن هذه التطبيقات هي البوابة الأولى لعمليات التجسس على المستوى الأول والثاني وليس على المستوى الثالث والرابع، وسأل المختص في الدراسات الإيرانية لمقدم البرنامج، هل تتخيل حجم البيانات في “إسرائيل” عن المجتمع في إيران؟!

فأجابه مقدم البرنامج هذا سيؤدي إلى اختراق الكاميرات، فقاطعه عبد القادر، بقوله إنه سيؤدي في النهاية إلى اختراق كاميرات الهاتف فهي أهم من كاميرات الشوارع!

الدروس المستفادة

فشل العزلة: أثبتت احتجاجات 2019 و2025 أن التعتيم الرقمي، رغم قدرته التقنية عبر بروتوكولات BGP، وهذه البروتوكولات هي عبارة عن نظام الملاحة الذي يحدد أفضل طريق للبيانات بين هذه الشبكات أي أنه يحدد كيف تنتقل البيانات بين الشبكات المختلفة، وما هو أفضل مسار للوصول إلى الوجهة، إلا أن الاستخدام السلبي سيؤدي إلى شلل اقتصادي واجتماعي لا يمكن استدامته.

الانكشاف الاستخباراتي: بالرغم من أن الأساس كان حماية الأمن القومي، إلا أن سياسة الحجب أدت إلى إجبار ملايين من المستخدمين في إيران على تحميل برمجيات تجسس دولية.، وأن ما من الممكن تسميته بتلغيم الهواتف ببرامج كسر الحجب، مكن الخصوم من اختراق اجتماعات الحرس الثوري والمجلس الأعلى للأمن القومي الإيرانيين عبر الذكاء الاصطناعي الصوتي، والذي أدى بالتالي إلى اغتيالات كبيرة.

الخلاصة النهائية

حتى لو رفعت الحكومة الإيرانية الحجب غدا، فإنه سيحتاج لسنوات طويلة لتطهير الفضاء الرقمي من أدوات التجسس التي تغلغلت في الأجهزة نتيجة سياساتها الخاصة، وصحيح أن الشبكة الوطنية للمعلومات الإيرانية حققت السيادة الرقمية في شبكتها الداخلية، إلا أنها فقدتها أمام الاستخبارات الخارجية، مما جعل الإنترنت القومي مشروعا للعزلة التقنية أكثر منه حصنا للأمن القومي، ويرى البعض أن ذلك أدى إلى تأمين تصفح الإنترنت داخل إيران بمعزل عن العالم، ولكن في نفس الوقت، طالما أن هناك تواصل كبير بين الجميع داخل إيران وبين الناس في العالم، وذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها بالطرق الغير شرعية، فإن تجارة الـ VPN السبب الرئيسي في ذلك، ستبقى موجودة حيث تقوم الدولة بالحجب، وبعض المسؤولين ومن معهم تستمر تجارتهم مع هذه التطبيقات للشعب!

ما يجب قوله إنه حتى وإن لم تكن جميع تطبيقات الـ VPNمرتبطة بجهات معادية أو كيانات منظمة، فإن استخدام خدمات غير موثوقة لتجاوز الحجب قد يعني عمليا منح هذه التطبيقات صلاحية الوصول إلى بيانات المستخدم ونشاطه على الإنترنت، وفي ظل غياب الشفافية حول كيفية إدارة هذه البيانات، يبقى المستخدم عرضة لمخاطر كتتبع نشاطه، أو تحليل سلوكه، أو حتى استغلال معلوماته بطرق غير متوقعة، ولا تكمن المشكلة فقط في تجاوز الحجب، بل في الجهة التي يتم منحها الثقة أثناء القيام بذلك.

وهنا نقول بأن المشهد الرقمي في إيران اليوم يقف أمام مفارقة أمنية كبرى، فبينما يهدف برنامج التنمية الاقتصادية السابع للوصول إلى تنفيذ 99% من الشبكة الوطنية بحلول عام 2026 لتعزيز السيطرة، نرى ما أدته هذه السياسات بالتالي إلى نتيجة عكسية لاختراقات، ويذهب بعض المحللين إلى القول إن “كل معلومات وبيانات المواطن الإيراني مكشوفة”، في توصيف يعكس حجم القلق من مستوى الانكشاف الرقمي داخل البلاد بيد صانعي هذه التطبيقات، لتكشف مدى سهولة معرفة ما يراد معرفته، بل وأيضا فعله في أي مكان في هذا البلد الذي يعكس مستوى عال من الهشاشة الأمنية في البيئة الرقمية!

المصادر


شارك المقالة
متابعة
مهندس حاسوب من الأردن، تخرجت من الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري في الإسكندرية بمصر عام 2003م، وحاصل على شهادة المهندس المستشار من نقابة المهندسين الأردنيين، وعضو في لجان سابقة وحالية فيها.