قام علماء الأصول الحيوية بالاستعانة بحفريات قديمة لأصداف الحيوانات الرخوية لإيجاد الدلائل على الآثار المستقبلية المحتملة للتغير المناخي، حيث قام (جون هنتلي)، وهو أستاذ مساعد في العلوم الجيولوجية في جامعة ميسوري، بإجراء دراسة على محار يعود إلى العصر الهولوسيني، أي قبل 11,700 سنة تقريباً، توصل من خلالها إلى أن الارتفاع الحالي في مستوى سطح البحر قد يؤدي لحدوث ظروف مماثلة لتلك التي أدت إلى زيادة أعداد الديدان المثقوبة الطفيلية، أو الديدان المفلطحة فيما سبق.
حذّر (هنتلي) أن هذه المجموعات من الديدان الطفيلية يمكن أن تحدث تفشي في الأمراض التي قد تصيب البشر بالعدوى، ونصح المجتمعات بالاستفادة من هذه المعلومات للتحضر لمواجهة مخاطر محتملة على الصحة الإنسانية، حيث أن الديدان المثقوبة هي عبارة عن طفيليات داخلية تؤثر على الرخويات وغيرها من الكائنات اللافقارية التي تعيش في البيئات التي تحيط بمصبات الأنهار، ولكنها يمكن أن تنتقل إلى الإنسان لتشكل أمراضاً خطيرة.
قام (هنتلي) بدراسة المحار الملزمي (الزلفية) ذو الشكل البيضاوي، والعائد لعصور ما قبل التاريخ والمأخوذ من منطقة (دلتا نهر اللؤلؤة) في الصين، بحثاً عن أدلة تشير إلى الكيفية التي تأثر بها هذا المحار بالتغيرات الناجمة عن الاحتباس الحراري العالمي والتي أدت إلى زيادة كبيرة في أعداد الطفيليات، ولم يستطع العلماء إيجاد مستحاثات للديدان الطفيلية لكون جسمها ناعم جداً ولا يمكنه تشكيل المستحاثات، ولكن آثار هذه الديدان ظهرت على صدف المحار المصاب، حيث قام الحيوان المحاري بتشكيل حفر بيضاوية الشكل في صدفته لتسمح له بالنمو حول الطفيلي، ومن خلال ملاحظة انتشار هذه الحفر وطريقة تركيبتها استطاع (هنتلي) الحصول على الدلائل التي تشير إلى الكيفية التي استطاعت من خلالها هذه الأصداف التكيّف لمكافحة الديدان المثقوبة.
من خلال مقارنة الارتفاع المسجل لمستوى سطح البحر منذ أكثر من 9,300 سنة، وجد الباحثون بأن البشر يقومون حالياً بتهيئة الظروف المناسبة لزيادة أعداد هذا النوع من الديدان المثقوبة في البيئات المحيطة بمصبات الأنهار، وهذا يمكن أن يكون له آثار ضارة على صحة الإنسان والحيوان على حد سواء، وإذا ما وصل انتشار الديدان المثقوبة ليصل إلى حد التفشي، فإنه من المتوقع أن تكون الرخويات هي أول الكائنات المصابة، وهذه الكائنات بدورها ستقوم بنقل العدوى إلى طيور الشاطئ والثدييات التي تأكلها، بما في ذلك البشر أنفسهم، كما أنه من المتوقع أن تتراوح أعراض الإصابة لدى البشر بين حدوث التهابات في الكبد والمرارة وآلام في الصدر، والإصابة بالحمى، والتهاب الدماغ، وقد تصل العدوى لأن تكون قاتلة.
تبعاً لمنظمة الصحة العالمية، فإن هناك أكثر من 56 مليون شخصاً يعانون على مستوى العالم من العدوى الناتجة عن الديدان المثقوبة التي تنتقل عن طريق الأغذية.
بعد مقارنة (هنتلي) وفريقه لهذه النتائج الجديدة التي توصلوا إليها مؤخراً مع النتائج السابقة التي كانوا قد وجدوها من خلال دراستهم لمجموعة من المحار المأخوذ من البحر الأدرياتيكي، وباستخدام البيانات التي تتضمن وصفاً تفصيلياً للغاية عن التغيرّات المناخية ومستويات الكربون المشع، لاحظ (هنتلي) وجود ارتفاع كبير في نسبة انتشار الحفر في المحار، مما يشير بدوره إلى ارتفاع معدل انتشار الطفيليات في الأوقات التي شهدت ارتفاعاً في مستوى سطح البحر في كل من المناطق التي أخذت منها الحفريات.
يشير (هنتلي) أنه بعد مقارنة النتائج المأخوذة من البحر الادرياتيكي، بنتائج الدراسة التي تم إجراؤها على حفريات مأخوذة من الصين، أصبح الباحثون قادرين على القول أن ارتباط ارتفاع مستوى البحر مع انتشار الطفيليات لم يحدث من قبيل المصادفة، وإنما يشكل هذا الارتباط ظاهرة عامة، وسيعمد الباحثون لاستخدام الدراسات التي تظهر الارتباط مابين انتشار الطفيليات وتغير المناخ فيما مضى، لتقديم خارطة طريق جيدة للتغييرات التي يجب اتخاذها للتعامل مع هذه التهديدات المحتملة.



