هل يقود الذكاء الاصطناعي عصرًا ذهبيًا جديدًا لصناعة الأدوية؟

ضحى نبيل

نحن أصبحنا أقرب من أي وقت مضى لليوم الي نرى فيه الذكاء الاصطناعي قادر على اكتشاف أدوية جديدة، وبمعدل أسرع من أكبر معامل الأبحاث في العالم! تخيل كيف يمكن أن يحدث ذلك ثورة قي عالم الطب وكيف يمكن أن ننقذ ملايين المرضى حول العالم.

تواجه الصناعة الدوائية أزمة ممتدة منذ عقود، حيث أن تطوير دواء جديد يستغرق عادةً من 10 إلى 15 عامًا، ويكلف ما يزيد على ملياري دولار. ومع كل هذه التعقيدات تفشل 9 أدوية من كل 10 في المراحل الأخيرة للتجارب السريرية! في المقابل، الحاجة إلى أدوية جديدة تزداد يومًا بعد يوم مع ظهور أمراض نادرة، وانتشار السرطانات المعقدة، وتفاقم أزمة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية. وسط هذا المشهد، يطل الذكاء الاصطناعي كمنقذ محتمل، يعِد باختصار الزمن، خفض التكلفة، وربما تغيير قواعد اللعبة بالكامل.

من أين تبدأ رحلة اكتشاف الدواء؟

Gemini Generated Image c757bmc757bmc757 هل يقود الذكاء الاصطناعي عصرًا ذهبيًا جديدًا لصناعة الأدوية؟ مجلة نقطة العلمية

لاكتشاف دواء جديد، يحتاج العلماء أولًا إلى تحديد الهدف العلاجي: بروتين أو جين له دور في المرض. بعد ذلك تبدأ عملية البحث عن مركب كيميائي يمكنه الارتباط بهذا الهدف وإصلاح الخلل. هذه المرحلة وحدها قد تستغرق سنوات طويلة، لأنها تعتمد على التجربة والخطأ، وعلى تصنيع مئات أو آلاف المركبات داخل المعامل.

لكن مع الذكاء الاصطناعي اختلفت القصة، فالخوارزميات تستطيع الآن تحليل قواعد بيانات ضخمة تضم ملايين الجزيئات المعروفة، وتتعلم منها كيف ترتبط المركبات بالأهداف المختلفة. ثم تبدأ في تكوين جزيئات جديدة بالكامل، لم تخطر ببال أي كيميائي من قبل. هنا يتحول الكمبيوتر إلى “كيميائي خارق” قادر على تصميم مركبات جديدة من الصفر.

بدأت النتائج تظهر أسرع مما توقعنا

قصة شركة Insilico Medicine تعطي مثالًا حيًا على هذا التحول. أسسها العالم أليكس زهفورونكوف، وبدأ باستخدام الذكاء الاصطناعي لتصميم جزيئات دوائية لأمراض مستعصية. واحدة من أبرز إنجازاتهم كانت تطوير مركب لعلاج مرض نادر يُعرف باسم التليف الرئوي مجهول السبب (IPF)، وهو مرض يصيب الرئة بشكل تدريجي ولا يوجد له علاج شافٍ حتى الآن.

باستخدام الذكاء الاصطناعي، حددت الخوارزميات بروتينًا يُدعى TNIK كهدف جديد محتمل، لم يكن مطروحًا من قبل لعلاج هذا المرض. ثم صممت الخوارزميات جزيئات يمكنها تثبيط هذا البروتين. النتيجة؟ خلال 18 شهرًا فقط، وباختبار 79 مركبًا كيميائيًا، وصلت الشركة إلى جزيء فعّال أظهر نتائج واعدة في التجارب المبكرة. في المقابل، كانت هذه العملية تستغرق عادةً أربع سنوات وتتطلب اختبار ما لا يقل عن 500 مركب.

الشركة لديها الآن أكثر من ستة أدوية في مراحل تجريبية متقدمة، وأكثر من 30 جزيئًا آخر في طور التطوير. كل هذه الأدوية “اختُرعت” من الصفر بواسطة الذكاء الاصطناعي.

شركة أمريكية أخرى، Recursion Pharmaceuticals، اتبعت نهجًا مختلفًا. بدلًا من الاعتماد على البيانات المحدودة الموجودة في الأبحاث السابقة، قامت الشركة ببناء منصة تجريبية بالكامل، تُنتج كميات هائلة من البيانات البيولوجية بشكل مباشر. ثم تُغذّى هذه البيانات في خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تبحث عن أنماط وعلاقات غير متوقعة بين الجينات، البروتينات، والأمراض.

لإنجاح هذا النهج، أنشأت الشركة ما يُعتقد أنه أسرع حاسوب خارق مخصص لشركة دوائية في العالم. أحد إنجازاته كان اكتشاف مركب جديد لاستهداف جين مرتبط بأنواع من السرطان، مثل اللمفوما والأورام الصلبة. المركب الآن في مراحل تجريبية أولية على المرضى. لكن كما يوضح مؤسسو الشركة، التحدي الحقيقي لا يكمن في “اختراع” المركبات، بل في إثبات نجاحها على البشر، وهو ما يحتاج سنوات طويلة وتجارب إكلينيكية صارمة.

الذكاء الاصطناعي في مواجهة البكتيريا

مشكلة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية تمثل تهديدًا عالميًا كبيرًا، حيث يُقدّر أن أكثر من مليون شخص يموتون سنويًا بسبب التهابات لم يعد بالإمكان علاجها بالمضادات المتاحة، لكن تطوير مضاد حيوي جديد أصبح مهمة صعبة وغير مربحة اقتصاديًا، وهو ما جعل شركات الأدوية تتراجع عن الاستثمار فيه.

لكن فريقًا من معهد MIT في الولايات المتحدة استخدم الذكاء الاصطناعي لابتكار مضادات حيوية جديدة من الصفر. ركزوا على بكتيريا “السيلان المقاوم للعلاج” وبكتيريا MRSA الشهيرة بقدرتها على مقاومة أغلب الأدوية. الخوارزميات هنا لم تبحث فقط بين المركبات المعروفة، بل “اخترعت” جزيئات جديدة بالكامل، مع استبعاد أي تصميم يشبه المضادات القديمة أو يبدو سامًا للبشر. بعد تصنيع أفضل هذه الجزيئات، اختُبرت في المعمل وعلى الحيوانات، وكانت النتيجة اكتشاف مركبين قويين قادرين على قتل هذه البكتيريا المقاومة.

ورغم أن الطريق لا يزال طويلًا حتى يصل الدواء إلى البشر، إلا أن العلماء يعتبرون ما حدث بمثابة “بداية عصر ذهبي جديد للمضادات الحيوية”.

في تجارب أخرى مشابهة، استخدم باحثون تقنيات التعلم العميق لتمشيط أكثر من 36 مليون مركب كيميائي. المفاجأة أن الخوارزميات عثرت على آلاف المركبات التي قد تصلح لتكون مضادات حيوية جديدة. كثير من هذه المركبات لم يكن معروفًا للعلماء من قبل. بهذا الشكل، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة لاكتشاف “منجم ذهب” دوائي، يفتح الباب لإنتاج جيل كامل من المضادات التي قد تحمي البشرية من كارثة صحية عالمية.

كيف يعمل الذكاء الاصطناعي بالضبط؟

Gemini Generated Image csqse4csqse4csqs 1 هل يقود الذكاء الاصطناعي عصرًا ذهبيًا جديدًا لصناعة الأدوية؟ مجلة نقطة العلمية

لفهم قوة الذكاء الاصطناعي في هذا المجال، يمكن تبسيط الفكرة كالآتي:

  • الذكاء الاصطناعي يتعلم من قواعد بيانات ضخمة تضم ملايين الجزيئات ونتائجها السابقة مع الأمراض.
  • من خلال التعلم العميق، يكتشف أنماطًا لا يمكن للعين البشرية ملاحظتها.
  • باستخدام النماذج التوليدية، يستطيع “اقتراح” جزيئات جديدة من الذرات الأساسية (الكربون، الأكسجين، النيتروجين…) بشكل يحقق الشروط المطلوبة: أن يكون فعالًا، غير سام، وسهل التصنيع.
  • كل مرة يقترح فيها الجزيء، يتم تقييمه افتراضيًا قبل أن يُصنّع في المعمل، ما يقلل الهدر ويوفر سنوات من البحث.

ماذا يعني هذا للمرضى والأطباء؟

بالنسبة للمرضى، قد تعني هذه الثورة اختصار سنوات الانتظار للحصول على علاج جديد. مرضى السرطان أو الأمراض النادرة، الذين غالبًا لا تتوفر لهم خيارات علاجية كافية، قد يصبح لديهم أمل حقيقي في المستقبل القريب، ويعني ذلك أنه يمكن إنقاذ حياة ملايين المرضى سنويًا.

أما الأطباء، فلن يحل الذكاء الاصطناعي محلهم، لكنه سيكون شريكًا مهمًا. سيزوّدهم بأدوات أكثر دقة لاختيار العلاجات المناسبة لكل مريض، وربما يفتح الباب أمام ما يُعرف بالطب الشخصي، حيث يحصل كل مريض على علاج مُصمم خصيصًا له بناءً على تركيبته الجينية وحالته البيولوجية.

التحديات والعقبات

ورغم هذا التفاؤل، هناك عقبات جدية. أهمها:

  • ندرة البيانات: الخوارزميات تحتاج إلى بيانات ضخمة ودقيقة، وهو ما لا يتوافر دائمًا لكل مرض.
  • التصنيع: بعض الجزيئات التي يقترحها الذكاء الاصطناعي قد تكون صعبة أو مكلفة الإنتاج.
  • التجارب السريرية: لا يمكن اختصارها بشكل كامل، ولا بد من مرور أي دواء جديد بمراحل اختبار طويلة ومعقدة لضمان السلامة والفعالية.
  • التحدي الاقتصادي: بعض الأدوية، مثل المضادات الحيوية، لا تحقق عوائد كبيرة لأن استخدامها يُفترض أن يكون محدودًا، مما يقلل حافز الشركات على الاستثمار فيها.

إلى أين يتجه المستقبل؟

رغم العقبات، يتفق الخبراء على أن المستقبل سيكون مشرقًا. من المتوقع أن نشهد خلال السنوات العشر القادمة أول دواء معتمد بالكامل من تصميم الذكاء الاصطناعي. ومع الوقت، قد تصبح هذه الطريقة هي المعيار الأساسي في اكتشاف الأدوية.والبعض يذهب أبعد من ذلك ويتوقع أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد في اكتشاف علاج لأمراض معقدة مثل الزهايمر أو حتى أنواع معينة من السرطان التي استعصت لعقود على العلماء.

ما يحدث اليوم في معامل الذكاء الاصطناعي قد يكون الشرارة التي تغيّر مستقبل الطب. من تصميم أدوية نادرة خلال أشهر بدلًا من سنوات، إلى ابتكار مضادات حيوية تنقذ العالم من وباء صامت، يبدو أننا على أعتاب ثورة دوائية جديدة.

الذكاء الاصطناعي لن يلغي دور العلماء أو الأطباء، لكنه سيمنحهم أدوات غير مسبوقة لتسريع الاكتشاف وتحسين النتائج. وإذا نجحت هذه الثورة في تجاوز العقبات، فقد ننظر بعد عقود إلى هذه المرحلة كما ننظر اليوم إلى اكتشاف البنسلين: بداية عصر طبي جديد.


شارك المقالة