هذا قلمي….. وهذه محبرتي

البروفيسور " نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

رفيقان لم يعرفا يومًا طريق المواربة، ولا احترفا فنّ الالتفاف حول المعنى. قلمٌ صال وجال في ميادين القول، يخطّ الحق حين يشتبك، وينعت الباطل حين يتخفّى في هيئة المشروعية. ومحبرةٌ ذاع عطر حبرها، لا لأنه الأجمل، بل لأنه الأدق؛ كلماتٌ خرجت منها محاولةً إصابة الهدف، والسير بثبات نحو كبد الحقيقة… لا حولها.

لم يكن القلم يومًا تاجرَ مواقف، ولا سمسارَ قناعات. لم يسعَ وراء مصلحة، حتى حين لاحت له؛ إذ كانت طبيعته تأبى أن تُقايض الصدق بمنفعة، أو تُبدّل ميزان الكلمة بميزان اللحظة. وكانت المحبرة على العهد: لا يتغير حبرها بتغيّر الظروف، ولا تبهت كثافته تحت ضغط الواقع. ظلّت كما هي، تُمدّ القلم بما يكفي من الشجاعة ليقول، وبما يكفي من الصبر ليصمد.

لكن، ماذا يفعل القول حين لا يُسمع؟
وما جدوى الدقة حين تُواجَه بالصمت؟
كم من حقيقةٍ صيغت بعناية، ثم سقطت في فراغٍ لا يردّ الصدى… ولا يحرّك ساكنًا؟

بعد كل هذا الجهد، وبعد كل تلك المعارك الصغيرة التي خاضها القلم على صفحاتٍ لا تعرف المجاملة، لم يتغيّر شيء. ظلّ المشهد كما هو؛ الكلمات تُكتب، والوقائع تمضي، واللاجدوى تتمدّد كظلٍّ ثقيل فوق أرضٍ جرداء، لا نفع منها… ولا فيها.

كان القرار قاسيًا، لكنه بدا وحيدًا:
قُصف القلم، وكُسرت المحبرة.
وسال دمُ الحبر على أرضٍ لم تعد تحتمل مزيدًا من الشهادة.

ليس لأن الحقيقة تراجعت، بل لأن آذانًا كثيرة آثرت السلامة على الاستماع. وليس لأن الكلمة ضعفت، بل لأن الواقع صار أصلب من أن يُخدش بحروف.

هنا، حيث تتكسر الأدوات قبل أن تتكسر المبادئ، يلوح سؤال مُرّ:
هل كانت المعركة ضد الباطل… أم ضد اللامبالاة؟

فلا فائدة—هكذا يبدو—مما كان… ولا مما هو آتٍ،
حين يُترك القلم وحيدًا،
وتُغتال المحبرة بالصمت.


شارك المقالة
** أستاذ المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى / مصر ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** تعد كل مقالاتى وأبحاثى وكل ما حصلت عليه من براءات اختراع ، صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والأدبى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51