معادلة الألم: فيزياء السقوط وكيمياء الانكسار

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

لا تَكثُري عليَّ يا نفسي من اللوم…
فما كنتُ أريد أن ينتهي بنا التفاعل إلى هذا الناتج.

كانت النية طيبة، والقلب نقيًّا، ولم أحمل في داخلي ضغينة لأحد. دخلتُ الحياة بمواد خام نظيفة، وكنت أظن ــ بسذاجة كيميائية لا تُغتفر ــ أن نقاء المادة يكفي لكي يكون التفاعل نقيًّا.

ثم اكتشفت أن الكيمياء لا تعمل بهذه البساطة.

فالمادة مهما كانت نقية، تحتاج إلى وسط مناسب، ودرجة حرارة ملائمة، وطاقة تنشيط، وأحيانًا إلى محفز.

وكذلك البشر

قد تدخل إلى قلب إنسان بنقاء الماء المقطر، فيستقبلك هو كأنك مادة غريبة يجب التخلص منها!

خطئي أنني وثقت أكثر مما ينبغي، وكارثتي أنني سلّمت معظم أموري إلى الغد، وكأن الغد محفزٌ سحري سيأتي في الموعد ليخفض طاقة التنشيط، ويجعل كل التفاعلات ممكنة.

انتظرتُ الزمن

كنت أظن أن الأيام دواء، وأن مرور الوقت كفيل بإعادة الاتزان إلى داخلي. لكنني اكتشفت أن الزمن ليس دائمًا طبيبًا؛ أحيانًا يكون مجرد وسط تفاعلي يسمح للوجع بأن ينتشر.

وكما تنتقل الجزيئات من منطقة التركيز المرتفع إلى منطقة التركيز المنخفض، انتقل ألمي من الخارج إلى الداخل.

في البداية كان الجرح على السطح…

ثم بدأ بالانتشار.

حتى وصل إلى أعمق نقطة في الروح.

كنت أنتظر أن يصل النظام إلى حالة اتزان، لكن بعض الأحزان لا تعرف الاتزان؛ كلما ظننت أنها هدأت، أعادت ترتيب ذراتها وبدأت تفاعلًا جديدًا.

وكانت الفرصة هناك

أبحث عنها كما يبحث عالم فيزيائي عن جسيم لا يُرى إلا من أثره.

كلما ظننت أنني اقتربت، ابتعدت.

وكلما قلت: ” هذه هي الفرصة”، قالت لي الحياة: ” جرّب مرة أخرى… كانت مجرد إشارة كاذبة!”

كان سرابًا جميلًا، لكنه لم يكن ماءً.

ثم انقشع السراب، وظهرت الحقيقة.

والحقيقة ــ يا نفسي ــ لم تكن لطيفة.

كانت مثل تجربة وصلت إلى نقطة الانهيار، فخرجت النتيجة على عكس ما كنا نتوقع.

كشّرت الأيام عن أنيابها، وكأنها تقول لي في سخرية باردة:

” كنتَ تظن أن الحياة معمل تجارب؟ تفضل… وهذه هي النتيجة النهائية! “

تحطمت آمالي وطموحاتي بين ماضٍ حزين، وحاضرٍ أكثر حزنًا، ومستقبلٍ بدا حالك السواد.

حتى الضوء نفسه بدا كأنه غادر المكان.

وفي الفيزياء، عندما يسقط جسم تحت تأثير الجاذبية، فإنه لا يحتاج إلى إذن كي يسقط.

وأنا أيضًا

سقطت.

لكن الفرق أن الجاذبية كانت في هذه المرة داخل رأسي.

كان عقلي هو مجال الجاذبية الذي شدّني إلى أسفل.

كل شيء عندي كان أكثر من اللازم

الحب أكثر من اللازم، والتضحية أكثر من اللازم، والتمسك بالمبادئ أكثر من اللازم.

كنت أرفع الحمل حتى تجاوزت قدرتي على التحمل، ثم أتعجب لماذا انكسر النظام.

حتى المعادن لها حد إجهاد.

والزنبرك مهما كان مرنًا، إذا تجاوز حدّه المرن، لا يعود إلى حالته الأولى.

وأنا أيضًا كنت أظن أنني أستطيع العودة كما كنت…

لكنني اكتشفت أن بعض الضغوط لا تغيّر الشكل فقط؛ إنها تغيّر البنية نفسها.

كنت أعيش الخيال في حاضر أليم، كما لو كنت أراقب صورة جميلة خلف عدسة، بينما الواقع يقف في الجهة الأخرى من المعمل.

وعشت طويلًا في تلك البلاد التي صنعها جبران خليل جبران في خيالي، بلادٍ تمنيتها وأقمت في محيطها، وبنيت فيها بيتًا من الأحلام.

ثم اكتشفت أنني كنت أعيش في حالة فيزيائية اسمها ” السراب”

موجود بصريًا، غائب ماديًا.

كنت أعيش الحلم في حاضر أليم، والحاضر لم يكن إلا ناتجًا متأخرًا عن ماضٍ أكثر ألمًا.

وفي النهاية اكتشفت الحقيقة الأكثر مرارة:

أنا الذي دمّرت نفسي بنفسي.

لا ذنب لأحد في كل هذا الخراب إلا ما حمله عقلي من أفكار، وما احتفظ به رأسي الثقيل من معادلات خاطئة.

كنت أظن أنني أستطيع الوصول إلى الاتزان، بينما كنت أضيف كل يوم عاملًا جديدًا إلى التفاعل.

ثم فهمت شيئًا يشبه مبدأ لوشاتيليه:

كلما حاولت أن أضغط على النظام كي يعود إلى الاتزان، تحرك النظام في الاتجاه الذي يخفف الضغط…

إلا أنني كنت أزيد الضغط بنفسي!

يا لها من مفارقة

كنت أبحث عن الهدوء، وأضيف إلى التجربة مزيدًا من الضوضاء.

وكنت أبحث عن السلام، وأعيد فتح التفاعل كلما بدأ يهدأ.

وكان لدي قلب رقراق

قلب يتألم من نسمة هواء في غير موضعها، ومن نظرة حاقدة عابرة، ومن همسة حاسد اختبأت بين عيون قاتلة.

كنت حساسًا كجهاز قياس دقيق جدًا؛ يلتقط أصغر تغير في الوسط.

وهذه ميزة عظيمة في المختبر

لكنها قد تكون كارثة في الحياة!

فالجهاز شديد الحساسية يلتقط كل شيء

حتى الضوضاء.

وربما كان هذا بعض عذابي.

كنت أسمع ما لا يُقال، وأشعر بما لا يُرى، وأقرأ في الصمت ما لم يكن مكتوبًا.

ثم اكتشفت أن الإنسان ليس آلة مثالية.

فحتى أدق الأجهزة تحتاج إلى معايرة.

وأنا نسيت أن أعاير نفسي.

يا نفسي، لا تلوميني كثيرًا

فقد أخطأنا حين ظننا أن حسن النية يحمي صاحبه، وأن الوفاء يُردّ بالوفاء، وأن التضحية لا بد أن تجد يومًا من يقدّرها.

بعض المعادلات في الحياة لا تنقصها مادة متفاعلة

بل ينقصها فقط الطرف الذي يعرف قيمة التفاعل.

وبعض العلاقات تشبه التفاعل الطارد للحرارة؛ تعطيها من طاقتك كثيرًا، ثم تكتشف أنك أنت الذي أصبحت باردًا!

وبعض البشر يشبهون المحفزات

لا يدخلون في التفاعل، لكنهم يسرّعون خرابك!

وبعضهم يشبه الشوائب…

وجوده قليل، لكن تأثيره كافٍ لإفساد النتيجة.

أما أنا

فقد كنت أظن أن الصلابة تعني ألا أنكسر.

ثم تعلمت من الفيزياء أن أكثر المواد صلابة يمكن أن تنكسر إذا تعرضت للإجهاد المتكرر.

وتعلمت من الكيمياء أن المادة لا تبقى دائمًا على حالها؛ قد تتغير بنيتها إذا تغير الوسط.

وتعلمت من الحياة أن الإنسان أيضًا

قد يبدو كما هو من الخارج، بينما يكون قد أعاد ترتيب ذراته من الداخل مرات لا تُحصى.

لذلك لا تَكثُري عليَّ يا نفسي من اللوم.

لقد أخطأنا، نعم

لكن الخطأ ليس دائمًا نهاية التجربة.

أحيانًا يكون هو التجربة التي كان يجب أن تحدث حتى نفهم.

وسأترك ما حدث في قاع الذاكرة، لا لأبكي عليه، بل لأتعلم منه.

فقد فهمت أخيرًا أن بعض الجروح لا تحتاج إلى دواء بقدر ما تحتاج إلى أن نتوقف عن لمسها كل يوم.

وأن بعض الخيبات ليست نهاية التفاعل

بل هي اللحظة التي نكتشف فيها أن المادة التي وثقنا بها لم تكن نقية كما ظننا.

وأن بعض الانهيارات ليست موتًا

بل إعادة بناء.

فأنا، رغم كل ما حدث، لم أصل إلى حالتي النهائية بعد.

ما زلت مادة قابلة للتشكل

وما زالت التجربة مستمرة.

أنا في حالة تشكّل لا تنتهي.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51