كيمياء السكينة: حين تتصالح الروح مع قوانين الوجود

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

ليست راحة البال ترفا نفسيا، ولا طمأنينة القلب رفاهية عاطفية، ولا سكينة النفس انسحابا من الحياة؛ بل هي حالة من الاتزان الداخلي، يصل فيها الإنسان إلى درجة من التوافق بين ما يؤمن به، وما يفكر فيه، وما يشعر به، وما يضطر إلى مواجهته من تحولات الوجود وتقلباته. إنها ليست غيابا للضغوط، وإنما القدرة على استقبالها دون أن تتحول إلى تفاعلات مدمرة تستنزف طاقة الروح وتفسد كيمياء الحياة.

وفي فلسفة الكيمياء الفكرية، لا ينظر إلى الإنسان بوصفه كيانا ساكنا، بل باعتباره منظومة حية لا تتوقف عن التشكل؛ تتفاعل داخلها الأفكار والمشاعر والذكريات والتوقعات، وتتنافس فيها قوى الخوف والأمل، والرضا والطمع، والثقة والشك. وكل فكرة تدخل إلى هذا النظام تترك أثرا، وكل تجربة تمر به تغير شيئا من تركيبه، وكل علاقة تستقر في أعماقه قد تصبح عاملا محفزا للاتزان أو سببا في اضطرابه.

ومن هنا، فإن الدعاء براحة البال وطمأنينة القلب وسكينة النفس ليس مجرد طلب للهدوء، بل هو طلب لاستعادة الاتزان في منظومة الإنسان الداخلية، حتى لا يصبح أسيرا لتفاعلات لا يملك إيقافها، ولا رهينة لمؤثرات تمنحه لحظة من الفرح ثم تسلبه أياما من السلام.

تأمل قوانين الفيزياء؛ فالجسم الذي يتعرض لقوى متضادة قد يظل في حالة اتزان إذا تساوت محصلة هذه القوى، لكن الاتزان لا يعني انعدامها. وكذلك الإنسان؛ فقد تتجاذبه مسؤوليات العمل، ومطالب الحياة، وقلق المستقبل، وذكريات الماضي، ومع ذلك يستطيع أن يحافظ على توازنه إذا امتلك من الوعي ما يمنع إحدى هذه القوى من الاستيلاء على كامل كيانه. ليست الحكمة أن تختفي القوى المؤثرة في حياتنا، بل أن نتعلم كيف نستجيب لها دون أن نفقد اتجاهنا.

وفي الفيزياء أيضا، لا يمكن تفسير حركة نظام ما بالنظر إلى قوة واحدة وإغفال بقية القوى المؤثرة فيه. وكذلك النفس البشرية؛ فالحزن الذي نراه قد لا يكون وليد موقف واحد، بل محصلة تراكمات من الخذلان والانتظار والإرهاق والتوقعات التي لم تتحقق. وربما يحاول الإنسان علاج أثر ظاهر، بينما يظل السبب الحقيقي مختبئا في أعماق منظومته الفكرية. إن فهم محصلة القوى النفسية هو أول الطريق نحو إعادة الاتزان.

أما في الكيمياء، فإن التوازن الكيميائي لا يعني توقف التفاعل، بل قد يكون حالة ديناميكية تستمر فيها التفاعلات في الاتجاهين بمعدلات متساوية. وهذه صورة بليغة لما يمكن أن تكون عليه السكينة الإنسانية؛ فالحياة لا تتوقف عن منحنا أسباب القلق، والعقل لا يتوقف عن إنتاج الأسئلة، والمشاعر لا تكف عن التأثر بما حولها، لكن الإنسان المتزن لا يسمح لكل تغير عابر بأن يعيد تشكيل كيانه بالكامل.

وقد يحتاج الوصول إلى هذا الاتزان إلى تغيير ظروف، أو مراجعة أفكار، أو الابتعاد عن بيئة مؤذية، أو إعادة النظر في علاقات استنزفت طاقتنا. وفي لغة الكيمياء، قد تتغير سرعة التفاعل بتغير الظروف المحيطة، وقد تتطلب بعض التحولات طاقة للتغلب على حاجز التنشيط. وعلى المستوى الإنساني، قد تكون كلمة صادقة، أو فكرة ناضجة، أو موقف شجاع، أو قرار طال تأجيله، هي الطاقة اللازمة لبدء تحول طال انتظاره.

لكن علينا أن ندرك أن بعض التفاعلات لا تصلحها زيادة الطاقة، بل إيقاف مصادرها المدمرة. فليس كل ما نستطيع احتماله يستحق أن نستمر في احتماله، وليس كل علاقة قابلة للاستمرار جديرة بأن نحافظ عليها، وليس كل معركة نخوضها تستحق ما تستهلكه من سلامنا الداخلي. أحيانا تكون الحكمة في مواصلة السعي، وأحيانا تكون في تغيير المسار، وأحيانا أخرى في أن نحسن الانسحاب من تفاعل لم يعد ينتج إلا مزيدا من الاستنزاف.

وفي علم الأحياء، تتجلى روعة الاتزان في قدرة الكائن الحي على المحافظة على بيئة داخلية مستقرة نسبيا رغم تغير الظروف الخارجية؛ وهي العملية التي تعرف بالاتزان الداخلي أو الاستتباب (Homeostasis). تتغير درجة حرارة البيئة، وتتبدل الظروف، ويواجه الجسم تحديات متعددة، لكنه يمتلك آليات تنظيمية تعمل على إبقاء وظائفه الحيوية ضمن حدود مناسبة.

وهنا تتجلى استعارة إنسانية عميقة: ليس مطلوبا منا أن نجعل العالم مستقرا كي نستقر، بل أن نبني داخلنا من الوعي والمرونة ما يساعدنا على التعامل مع عالم لا يعرف الثبات. غير أن هذا الاتزان النفسي ليس زرّا نضغط عليه، ولا حالة نبلغها بالدعاء وحده دون عمل؛ إنه مسار تتكامل فيه الاستعانة بالله مع حسن التدبير، ومراجعة الذات، وتنظيم الأولويات، وطلب العون عند الحاجة.

وكما تستجيب الخلايا للإشارات الكيميائية التي تنظم وظائفها، يستجيب الإنسان أيضا للإشارات التي يتلقاها من محيطه. فالكلمة قد تكون رسالة دعم تعيد إليه ثقته، وقد تكون إشارة تهديد تظل آثارها حاضرة في ذاكرته. والعلاقة الصحية قد تمنح النفس مساحة للنمو، بينما قد تتحول العلاقة القائمة على التحقير أو التلاعب إلى مصدر مستمر للاستنفار والقلق. ليست كل التأثيرات مرئية، وليست كل الجروح تقاس بما تتركه على الجسد؛ فبعضها يعيد تشكيل طريقة الإنسان في التفكير، وفي تفسير نيات الآخرين، وفي النظر إلى نفسه والعالم.

ومن أخطر تفاعلات الكيمياء الفكرية أن يتحول القلق من استجابة لمشكلة محددة إلى بيئة دائمة يعيش فيها العقل. يبدأ الإنسان بالتفكير في احتمال سيئ، ثم يعيد تحليله، ثم يتخيل نتائجه، ثم يتعامل مع خياله كما لو كان واقعا، حتى يصبح أسيرا لحدث لم يقع، ويستهلك اليوم في دفع ثمن الغد قبل أن يأتي. وهكذا تتحول الفكرة من أداة للفهم والاستعداد إلى مفاعل مغلق يعيد إنتاج الخوف بالطاقة نفسها، ويضخمه مع كل دورة من دورات التفكير.

إن راحة البال تبدأ حين نتعلم الفصل بين ما حدث بالفعل وما نتوقع حدوثه، وبين ما نملكه من قدرة على التغيير وما يقع خارج نطاق سيطرتنا. فليس كل مجهول خطرا، وليس كل تأخير حرمانا، وليس كل خسارة نهاية، وليس كل باب مغلق دليلا على أن الطريق قد انتهى. قد يكون بعض ما نخافه مجرد ناتج لتفاعل بين ذاكرة موجوعة ومستقبل مجهول، لا حقيقة قائمة تستحق كل هذا الاستنزاف.

أما طمأنينة القلب، فليست أن نضمن استجابة الحياة لكل رغباتنا، بل أن تتحرر قيمتنا الداخلية من الارتهان الكامل لنتائجها. أن نعمل بإخلاص دون أن نعبد النجاح، وأن نحب دون أن نفقد ذواتنا، وأن نمنح دون أن نجعل العطاء صفقة تنتظر مقابلا، وأن نسعى إلى حقوقنا دون أن نسمح للخصومة بأن تتحول إلى هوية تسكننا. فهناك فرق بين أن تطالب بحقك، وأن تمنح من ظلمك سلطة دائمة على مشاعرك وتفكيرك.

وفي هذا المعنى، يصبح التوكل على الله عاملا جوهريا في إعادة ترتيب العلاقة بين السعي والنتيجة؛ نأخذ بالأسباب، ونجتهد في أداء ما علينا، ثم ندرك أن قدرتنا على الفعل لا تعني قدرتنا على التحكم الكامل في المآلات. فكم من أمر استنزفنا الخوف منه ثم مر بسلام، وكم من باب أغلق فظننا أن الحياة انتهت عنده، ثم اكتشفنا بعد حين أن ما حسبناه نهاية كان بداية لمسار آخر.

وسكينة النفس أعمق من مجرد الهدوء العابر؛ إنها ألا تتحول تقلبات الخارج إلى فوضى دائمة في الداخل. أن تظل قادرا على التفكير حين يضطرب الآخرون، وعلى الإنصاف حين تستفزك الخصومة، وعلى اتخاذ القرار حين يضغط الخوف، وعلى النوم دون أن تستدعي إلى سريرك كل معارك النهار. إنها أن تتعلم متى تتكلم ومتى تصمت، متى تتمسك ومتى تترك، متى تواجه ومتى تتجاوز، ومتى يكون بذل الجهد واجبا، ومتى يكون التوقف ضرورة لاستعادة القدرة على الاستمرار.

وليس معنى السكينة أن نكبت الحزن، أو ننكر الغضب، أو نتظاهر بالقوة في كل الأوقات. فالمشاعر ليست أخطاء في نظام الإنسان، وإنما رسائل تحتاج إلى الفهم والتوجيه. الحزن قد يكشف قيمة ما فقدناه، والغضب قد ينبهنا إلى انتهاك حدودنا، والخوف قد يدفعنا إلى الاستعداد، لكن الخلل يبدأ حين تتحول الرسالة إلى سجن، والانفعال إلى حاكم، والتجربة الماضية إلى قانون أبدي يحكم مستقبلنا.

إن الإنسان الذي ينشد السكينة يحتاج إلى أن يراجع مدخلات منظومته الفكرية: ماذا يقرأ؟ وبماذا يشغل عقله؟ ومن يسمح له بالتأثير في وجدانه؟ وما المعارك التي يستهلك فيها عمره؟ وما الأفكار التي يكررها حتى أصبحت جزءا من صورته عن نفسه؟ فكما تتأثر نتائج التفاعلات بطبيعة المواد الداخلة فيها وبالظروف التي تجري خلالها، تتأثر حالتنا النفسية بما نغذي به عقولنا، وبما نسمح له بالتراكم في ذاكرتنا، وبالطريقة التي نفسر بها الأحداث.

وربما كانت أعظم مراجعات الإنسان أن يكتشف أنه لا يستطيع التحكم في كل ما يحدث له، لكنه يستطيع أن يتعلم كيف يستجيب لما يحدث، وأنه لا يستطيع إجبار الجميع على فهمه، لكنه يستطيع أن يتحرر من استنزاف نفسه في طلب الاعتراف من كل أحد، وأنه لا يملك إعادة كتابة الماضي، لكنه يستطيع منع الماضي من كتابة جميع فصول المستقبل.

وهنا تتجلى فلسفة الكيمياء الفكرية: أن السكينة ليست غياب التفاعل، بل نضج الاستجابة؛ وليست انعدام المؤثرات، بل امتلاك الوعي الذي يمنعها من تفكيك الإنسان من الداخل. فليس كل ما يثيرك يستحق غضبك، وليس كل ما يقلقك يستحق أن تمنحه يومك، وليس كل ما تفقده ينتقص من قيمتك، وليس كل ما يتعذر عليك تغييره ينبغي أن يتحول إلى معركة مفتوحة مع الحياة.

اللهم ارزقنا راحة بال لا تعصف بها تقلبات الأيام، وطمأنينة قلب لا تستعبدها النتائج، وسكينة نفس لا تنتزعها ضوضاء العالم. اللهم علمنا أن نسعى دون هلع، وأن نصبر دون انكسار، وأن نحب دون استنزاف، وأن نغفر دون أن نهدر حقوقنا، وأن نترك ما يؤذينا دون أن نحمل أذاه في أرواحنا إلى الأبد.

اللهم ارزقنا عقلا يميز بين الحقيقة والوهم، وقلبا يتسع للرضا، ونفسا تعرف متى تقاوم ومتى تستسلم لحكمتك، وبصيرة ترى في تعقيدات الحياة فرصا للفهم والنضج، لا أسبابا دائمة للاضطراب.

فما أجمل أن يصل الإنسان إلى مرحلة لا يعود فيها مضطرا إلى الانتصار في كل نقاش، ولا إلى إثبات قيمته لكل عابر، ولا إلى تفسير كل موقف، ولا إلى مطاردة كل ما يفلت من يده؛ لأنه أدرك أن بعض الانتصارات تربح بالتخلي، وأن بعض الأبواب لا يستحق فتحها، وأن أعظم ما يمكن أن يحافظ عليه المرء وسط صخب العالم هو سلامه الداخلي.

فالإنسان، في نهاية المطاف، ليس ما تعرض له من تفاعلات فحسب، بل ما تعلمه منها، وكيف أعاد تشكيل نفسه بعدها. وحين تنضج كيمياء الفكر، يصبح الوعي عاملا منظما، والإيمان مصدرا للرجاء، والرضا قوة للاتزان، وتغدو راحة البال وطمأنينة القلب وسكينة النفس ثمرة لمسار طويل من التشكل الواعي، والسعي المسؤول، والتسليم الواثق لله.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51