كيمياء البيئات المسمومة… حين يتحول الوسط إلى قوة مضادة للحياة

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

ليست كل بيئة عملٍ صالحة لإنتاج الإنجاز، فبعض البيئات تتحول، بفعل ما يتراكم فيها من اختلالات فكرية وتشوهات سلوكية، إلى أوساط سامة لا تكتفي بتعطيل العمل، بل تمتد آثارها لتصيب منظومة القيم، وتستنزف طاقة المخلصين، وتبدد الأخضر واليابس. إنها بيئات لا تفسد النتائج فحسب، بل تعبث بالشروط التي تسمح أصلا بإنتاج نتائج سليمة.

في كيمياء الفكر، لا تتشكل بيئة العمل من الجدران والمكاتب واللوائح وحدها، بل من طبيعة العقول التي تديرها، والقلوب التي تحركها، والقيم التي تضبط تفاعلاتها. فإذا اختل هذا التوازن، تحولت البيئة من حاضنة للإبداع إلى مفاعل مضطرب، تتصاعد فيه انبعاثات الحقد، وتختزل فيه الكفاءة إلى تهمة، والوعي إلى مصدر إزعاج، والاختلاف إلى مبرر للصراع.

ولعل الكيمياء تقدم لنا مثالا بالغ الدلالة؛ فالمحفز الكيميائي قد يرفع كفاءة التفاعل، ويختصر الطريق نحو الناتج المطلوب، لكن بعض المواد تستطيع تسميم المواقع النشطة على سطحه، فتعطل قدرته على أداء وظيفته، حتى لو بقيت بقية مكونات النظام موجودة. وفي بيئات العمل المسمومة، يحدث ما يشبه ذلك؛ إذ قد يوجد العقل القادر، والخبرة المتراكمة، والجهد المخلص، لكن سلوكا سلبيا متكررا يستطيع تعطيل أثرها، لا لضعفها، بل لأنه أصاب المواقع التي تسمح لها بالتأثير. وهكذا لا تكون المشكلة دائما في نقص الكفاءات، بل في وجود ما يعطّل فاعليتها.

وفي الفيزياء، نعرف أن الأنظمة تحتاج إلى اتزان يسمح لها بالاستقرار، وأن الاهتزازات قد تتضخم عندما تتوافق المؤثرات الخارجية مع ترددها الطبيعي، فيما تستطيع آليات التخميد الحد من هذه الاهتزازات. وعلى سبيل الاستعارة الفكرية، قد تتحول بعض بيئات العمل إلى أنظمة تضخم الخلافات الصغيرة؛ فالكلمة العابرة تصبح أزمة، والاختلاف المهني يتحول إلى خصومة، والخطأ القابل للتصحيح يتحول إلى معركة لإثبات التفوق. ومع تكرار هذه الاستجابات، لا تعود البيئة قادرة على امتصاص التوتر، بل تصبح هي نفسها مصدرا لتضخيمه، فيستهلك الجهد في إدارة الصراع بدلا من توجيهه إلى الإنجاز.

أما في علم الأحياء، فإن النظام البيئي لا يقوم على وجود الكائنات منفردة، بل على توازن العلاقات بينها، وتبادل الموارد، واستمرار العمليات التي تحفظ استقراره. وعندما تتعرض البيئة للتلوث، قد تتضرر بعض الكائنات والوظائف الحيوية، وقد تتغير العلاقات بين الأنواع، فتتراجع قدرة النظام على الحفاظ على تنوعه وتوازنه. وكذلك بيئة العمل؛ فقد تكون غنية بالعقول والخبرات، لكنها تفقد قدرتها على الإنتاج حين تصبح العلاقات نفسها مصدرا للاستنزاف، وحين تُكافأ السلوكيات الهدامة أو تترك دون مساءلة، بينما تحاصر السلوكيات البناءة.

إن أخطر ما في البيئة المسمومة أنها لا تتعامل مع الجميع بالقدر نفسه من التأثير؛ فالشخص الذي اعتاد العمل في مناخ من النزاهة والتعاون قد يجد نفسه أمام ضغوط متواصلة تدفعه إلى الدفاع عن أبسط حقوقه المهنية، في حين قد ينسجم آخر مع الفوضى لأنها تمنحه مساحة للحركة دون ضوابط. وهنا تظهر مفارقة التشكل الإنساني: فالوسط الواحد قد يفرض ضغوطًا متشابهة، لكن استجابات الأفراد تختلف تبعا لتكوينهم، ووعيهم، وقدرتهم على المقاومة والتكيف.

وفي الكيمياء الحيوية، لا تتوقف كفاءة الإنزيم على وجوده فحسب، بل تتأثر بظروف الوسط الذي يعمل فيه، مثل درجة الحرارة والحموضة ووجود المواد المثبطة. وقد يكون الإنزيم موجودا بكامل مكوناته، لكن الظروف غير الملائمة تحد من نشاطه. وهذه صورة أخرى لما يحدث في المؤسسات؛ إذ قد يمتلك الإنسان المعرفة والخبرة والاستعداد للعطاء، ثم يجد نفسه في بيئة تقيد المبادرة، وتربك الأولويات، وتضعف الحافز، حتى يصبح الفرق كبيرا بين ما يستطيع تقديمه وما تسمح له البيئة بإنتاجه.

وحين يواجه أصحاب الوعي والإدراك المرتفع مثل هذا الوسط، تنقلب المعادلة؛ فبدلا من استثمار قدراتهم في البناء، تُستنزف طاقتهم في مقاومة التشويه، وتبرير الواضح، والدفاع عن البديهيات. وكأن الاتزان أصبح استفزازا للمختل، والنزاهة عبئا على من لا يقدرها، والوعي خطرا في نظر من اعتادوا العيش داخل دوائر الغفلة. ولا يعود السؤال: كيف ننجز بصورة أفضل؟ بل يتحول إلى: كيف نحمي ما تبقى من قدرتنا على الإنجاز؟

وفي هذه المرحلة، تتسلل عشوائية العقول إلى تفاصيل العمل، لا باعتبارها مجرد أخطاء عابرة، بل بوصفها نمطا من التفكير والسلوك؛ حين ينفصل القرار عن المعرفة، وتنفصل السلطة عن المسؤولية، ويتراجع الاحتكام إلى المعايير لصالح الأهواء والانطباعات. عندئذ تضيع المبادئ وسط الغوغائية، ويتوارى الحق خلف ضجيج المصالح، ويصبح من الصعب التمييز بين ما يخدم العمل وما يخدم الأشخاص.

إن أخطر صور التلوث ليست تلك التي يمكن رؤيتها بالعين، بل تلك التي تتسلل إلى معايير التقييم ذاتها؛ حين يصبح الخطأ مألوفا من كثرة تكراره، وينظر إلى النزاهة باعتبارها سذاجة، وإلى الالتزام باعتباره تشددا، وإلى المطالبة بالحقوق باعتبارها خروجا على المألوف. عندها تكون البيئة قد بدأت في إعادة تشكيل الوعي، لا عن طريق الإقناع، بل عن طريق الاعتياد والضغط والاستنزاف.

لكن ثمة حقيقة مهمة: لا ينبغي الخلط بين التكيف مع البيئة والاستسلام لقيمها. فالكائنات الحية تختلف في قدرتها على تحمل الضغوط، والأنظمة البيئية تختلف في قدرتها على التعافي، والمواد الكيميائية تختلف في مقاومتها للتغيرات المحيطة بها. وعلى المستوى الإنساني، تظل القدرة على الحفاظ على المبادئ، ومراجعة الذات، ووضع الحدود المهنية، والتمسك بالمعايير الموضوعية، عناصر أساسية في مواجهة بيئة مختلة، دون الوقوع في فخ التشبه بها.

ولا يعني ذلك أن أصحاب المبادئ محصنون من التأثر، أو أن الوعي وحده يكفي لتغيير وسط فاسد؛ فالإنسان يتأثر بالضغوط، والمؤسسات تحتاج إلى منظومة عادلة ومساءلة واضحة، والبيئات المسمومة لا تصلحها النوايا الطيبة وحدها. إن إصلاح الوسط يتطلب تغيير الظروف التي تسمح للسلوك الهدام بالاستمرار، وإعادة الاعتبار للكفاءة، وترسيخ قواعد واضحة للمحاسبة، وبناء ثقافة تجعل التعاون أكثر جدوى من الصراع، والعمل أكثر قيمة من الضجيج.

في كيمياء الفكر، ليست كل مشكلة في العنصر، وليست كل أزمة في التفاعل وحده؛ فقد يكون الخلل في الوسط، أو في شروط التفاعل، أو في آلية ضبطه. ومن ثم، فإن اتهام العناصر النقية بالعجز، بينما تترك البيئة الملوثة دون معالجة، ليس حلا، بل صورة أخرى من صور اختلال التفكير.

فالبيئة المسمومة قد تعطل المحفز، وتضخم الاهتزاز، وتربك التوازن الحيوي؛ لكنها لا تجعل تعطيل الإنجاز إنجازا، ولا تجعل الفوضى نظاما، ولا تمنح الظلام صفة النور.

وما بين كيمياء الوسط، وفيزياء الاتزان، وأحياء البقاء، تبقى الحقيقة الأعمق: أن صلاح العناصر لا يغني عن صلاح البيئة، وأن استقامة البيئة لا تكتمل إلا حين تصان القيم التي تحكم تفاعلاتها. فالمؤسسة لا تقاس فقط بما تمتلكه من عقول، بل بما تتيحه لهذه العقول من قدرة على التفكير والعمل والإنتاج، دون أن تضطر إلى استنزاف نفسها في مقاومة الوسط الذي كان ينبغي أن يدعمها.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51