في قلب كل بطارية ليثيوم-أيون، هناك تفاعل بسيط لكنه مهم جدًا: أيونات الليثيوم التي تكون مذابة في محلول يُسمى الـelectrolyte، تدخل أو “تتخلل” داخل القطب الصلب عندما تُفرغ البطارية من الشحنة. وعندما تخرج هذه الأيونات وتعود إلى المحلول، تبدأ عملية الشحن.
هذه العملية تتكرر آلاف المرات طوال عمر البطارية. كمية الطاقة التي يمكن للبطارية توليدها وسرعة شحنها تعتمد على مدى سرعة حدوث هذا التفاعل. ومع ذلك، القليل فقط معروف عن كيفية عمل هذا التفاعل بالضبط، أو العوامل التي تتحكم في سرعته.
في دراسة حديثة، قام باحثون من MIT بقياس سرعات تخلل أيونات الليثيوم في مجموعة متنوعة من مواد البطاريات، واستخدموا هذه البيانات لوضع نموذج جديد يشرح كيف يتم التحكم في هذا التفاعل. النموذج الجديد يشير إلى أن تخلل الليثيوم يتحكم فيه عملية تُسمى “coupled ion-electron transfer” أي انتقال متزامن للأيون والإلكترون، حيث يُنقل الإلكترون إلى القطب مع أيون الليثيوم في نفس الوقت.
يقول الباحثون إن الأفكار التي استُخلصت من هذا النموذج قد تساعد في تصميم بطاريات ليثيوم-أيون أقوى وأكثر سرعة في الشحن.
يقول مارتن بازانت، أستاذ الهندسة الكيميائية والرياضيات في MIT: “ما نأمله من هذا العمل هو أن نصنع تفاعلات أسرع وأكثر تحكمًا، مما يمكن أن يسرع من عمليات الشحن والتفريغ.”
هذا النموذج الجديد قد يساعد العلماء أيضًا في فهم سبب تحسن الطاقة والقدرة وعمر البطاريات عند تعديل أقطاب البطارية والـelectrolytes بطرق معينة، وهو أمر كان يحدث سابقًا بشكل تجريبي ومتكرر دون فهم دقيق.
تقول يانغ شاوهورن، أستاذة الهندسة وعلوم المواد والكيمياء في MIT: “هذه الورقة البحثية تجمع بين ملاحظات سرعات التفاعل المختلفة التي نراها باستخدام مواد وواجهات مختلفة، في نظرية واحدة للانتقال المتزامن للإلكترون والأيون خلال التخلل، والبناء على أبحاث سابقة في هذا المجال.”
شاوهورن وبازانت هما الباحثان الرئيسيان في هذه الدراسة التي نُشرت في مجلة Science. كما شارك في البحث عدد من الباحثين الشباب من MIT وجامعات أخرى.
نموذج تدفق الليثيوم
لسنوات طويلة، كان العلماء يعتقدون أن سرعة تخلل أيونات الليثيوم في قطب بطارية ليثيوم-أيون تعتمد على مدى سرعة انتشار أيونات الليثيوم من المحلول إلى القطب. وكان يُظن أن هذا التفاعل يتحكم فيه معادلة تُدعى Butler-Volmer، وُضعت منذ حوالي مئة عام لوصف سرعة نقل الشحنة في التفاعلات الكهربائية.
لكن، عند محاولة قياس سرعات تخلل الليثيوم، وجدت الفرق، إذ لم تكن النتائج تطابق توقعات معادلة Butler-Volmer. وحتى كان من الصعب الحصول على قياسات متناسقة بين المختبرات المختلفة، حيث اختلفت القياسات لنفس التفاعل بدرجة كبيرة جدا، تصل أحيانًا إلى مليار مرة.
في الدراسة الجديدة، استخدم فريق MIT تقنية كهربائية خاصة تقوم بإعطاء نبضات قصيرة ومتكررة من الكهرباء إلى القطب لقياس سرعة التفاعل. تم تطبيق هذه الطريقة على أكثر من 50 تركيبة مختلفة من المواد الصلبة والمحاليل المستخدمة في البطاريات، مثل Lithium Nickel Manganese Cobalt Oxide (شائعة في بطاريات السيارات الكهربائية)، وLithium Cobalt Oxide (المستخدمة في معظم الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر المحمولة).
النتائج أظهرت أن السرعات المقاسة أقل بكثير من التي أُبلغ عنها سابقًا، ولا تتفق مع ما تحسبه معادلة Butler-Volmer التقليدية.
بناءً على هذه البيانات، وضع الباحثون نظرية جديدة تفترض أن لدخول أيون الليثيوم إلى القطب يجب أن يترافق مع انتقال إلكترون من المحلول إلى القطب في نفس اللحظة.
يوضح بازانت: “خطوة التفاعل الكهربائي ليست فقط إدخال الليثيوم كما يعتقد البعض، بل هي في الواقع انتقال الإلكترون الذي يخفض المادة الصلبة التي تستضيف الليثيوم. الليثيوم يتخلل في نفس وقت انتقال الإلكترون، وهما يساعدان بعضهما البعض.”
هذه العملية المتزامنة التي تسمى coupled-electron ion transfer (CIET) تقلل من الطاقة اللازمة لكي يحدث التفاعل، مما يزيد من احتمالية حدوثه. الإطار الرياضي لهذا النموذج سمح لهم بالتنبؤ بسرعات التفاعل التي تطابقت مع تجاربهم وكانت مختلفة بشكل واضح عن معادلة Butler-Volmer.
الشحن الأسرع
أظهر الباحثون كذلك أنه يمكن تعديل سرعة التخلل عن طريق تغيير تركيبة الـelectrolyte. مثلاً، استبدال أنواع مختلفة من الأنيونات (الشحنات السالبة) يمكن أن يقلل كمية الطاقة المطلوبة لنقل أيون الليثيوم والإلكترون، مما يجعل العملية أكثر كفاءة.
تقول شاوهورن: “تعديل سرعة التفاعل بتغيير المحاليل يفتح فرصًا كبيرة لتحسين سرعة التفاعل، وتجديد تصميم الأقطاب، وبالتالي زيادة قوة البطارية وسعتها.”
مختبر شاوهورن وفريقها يستخدمون تجارب أوتوماتيكية لصنع واختبار آلاف أنواع مختلفة من المحاليل، ويطوّرون نماذج تعلم آلي تساعدهم في التنبؤ بالمحاليل الأفضل.
قد تساعد هذه النتائج في تصميم بطاريات تُشحن أسرع عن طريق تسريع تفاعل تخلل الليثيوم. كما أن الهدف الآخر هو تقليل التفاعلات الجانبية التي تسبب تدهور البطارية عندما تذوب الإلكترونات من القطب داخل الـelectrolyte.
يقول بازانت: “إذا أردت تحسين الأمور بشكل منهجي وليس بتجربة وخطأ، فأنت بحاجة إلى إطار نظري يساعدك على معرفة العوامل المهمة التي يمكنك تعديلها. وهذا ما تحاول هذه الورقة أن توفره.”
تم تمويل البحث من قبل شركة Shell International Exploration and Production، ومعهد Toyota للأبحاث، من خلال مركز D3BATT لتصميم البطاريات القابلة لإعادة الشحن باستخدام البيانات.
خلاصة ملهمة
البطاريات هي قلب التكنولوجيا الحديثة التي تعتمد علينا يوميًا، من هواتفنا إلى السيارات الكهربائية. هذه الدراسة تفتح نافذة جديدة لفهم أسرار التفاعلات الكيميائية التي تتيح لشحن البطارية بسرعة واستخدامها لفترة أطول. بفهم أعمق لهذا التفاعل وفك شفرته بـ”نموذج الانتقال المتزامن للإلكترون والليثيوم”، أصبح لدينا فرصة لتصميم بطاريات أفضل، توفر علينا الكثير من الوقت والجهد في المستقبل. وبينما تستمر الأبحاث، تبقى دعوة مفتوحة لكل مهتم للغوص في عالم الكيمياء الكهربائية والتقنيات الحديثة، وربما تكشف بنفسك عن حلول قد تُحدث فرقًا كبيرًا في حياتنا التقنية.
المصدر: MIT News



