حين تتحالف الجزيئات: الكيمياء تفضح وهم “الصحبة الوظيفية”

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

في عالمٍ يبدو أنه قائم على الصحبة والولاء وتبادل الجميل، تقف الكيمياء على الطرف الآخر من الصورة، لا لتجامل هذا المشهد، بل لتفككه بهدوء قاسٍ. فهي لا تعترف بشيء اسمه “صحبة”، ولا تفهم فكرة أن يجتمع البعض حول شخص لأن بينهم عِشرة أو معروفًا قديمًا، بل ترى الأمور بمنطق أبسط وأكثر صرامة: حيثما وُجد الاستقرار، وُجد الاجتماع، وحيثما اختل، كان الانفضاض.

في بنية كثير من المركبات الكيميائية، نجد ذرةً في المركز، تحيط بها جزيئات أخرى من كل اتجاه، في صورة تبدو للعين وكأنها مجلسٌ متماسك أو دائرة مغلقة لا يدخلها إلا من ينتمي إليها. هذا المشهد قد يُغري بالتشبيه: مركزٌ يجلس في موضع القيادة، وحوله مجموعة تدور في فلكه، تتقارب منه، وتبدو كأنها لا يمكن أن تفارقه. لكن الحقيقة التي لا تُرى في النظرة الأولى أن هذه الجزيئات لا تدور حول المركز لأنها “تريده”، بل لأنها “تحتاجه” في تلك اللحظة تحديدًا. هي لا تُكنّ له ولاءً، ولا تحفظ له جميلًا، بل تجد عنده حالةً من الاتزان الطاقي تجعل وجودها معه أقل كلفة وأكثر راحة.

وما إن يتغير هذا الميزان، أو يظهر مركزٌ آخر يمنحها استقرارًا أكبر، حتى تنتقل إليه بلا تردد. لا تلتفت خلفها، ولا تُفكر فيما كان، ولا تُبرر ما تفعل، لأنها لا ترى في ذلك خيانة، بل استجابة طبيعية لقانون يحكمها. وهنا تتكشف مفارقة مؤلمة: ما يبدو من الخارج علاقةً متينة قد لا يكون في جوهره إلا توافقًا مؤقتًا فرضته الظروف. ليس لأن الأطراف سيئة، بل لأن القاعدة التي تحكمها لا تعرف الثبات المطلق.

وفي مشهد آخر من عالم التفاعلات، نرى حالة تُسمى الاتزان، حيث تبدو الأمور وكأنها قد استقرت على وضع نهائي لا يتغير. المواد موجودة بنسب ثابتة، والصورة العامة توحي بالهدوء والاتفاق. لكن ما يحدث في الحقيقة هو عكس السكون تمامًا؛ فالتفاعل لا يتوقف، بل يستمر في الاتجاهين في آنٍ واحد، الأخذ والعطاء قائمان، فقط بمعدلات متساوية تجعل التغير غير ملحوظ. إنه نوع من السلام الظاهري الذي يخفي داخله حركةً لا تهدأ.

هذه الحالة شديدة الشبه بتلك اللحظات التي يُقال فيها: “اتفقنا”، بينما في الداخل لم ينتهِ الخلاف، بل جرى تأجيله أو موازنته. كل طرف ما زال يحتفظ بدوافعه، لكنه يقبل بالوضع القائم لأن الظروف لا تسمح له بتغييره. فإذا طرأ تغيير بسيط—زيادة ضغط، ارتفاع حرارة، تغير في التركيز—ينقلب هذا “الاتزان” سريعًا، ويتحرك النظام كله في اتجاه جديد. وكأن الرسالة التي يهمس بها هذا المشهد: ليس كل هدوء دليل اقتناع، ولا كل استقرار علامة رضا، بل قد يكون مجرد توازن دقيق قابل للانهيار عند أول تغير.

ثم تأتي الروابط الأضعف، تلك التي لا تُمسك الأشياء بقوة، لكنها تُبقيها متجاورة. هي روابط كافية لتشكيل صورة من التماسك، لكنها لا تملك القدرة على الصمود طويلًا. يكفي تغير بسيط في الظروف—قدر من الحرارة، أو اضطراب في الوسط—حتى تتفكك وتزول، وكأنها لم تكن. هذه الروابط لا تُخدع أحدًا في عالم الكيمياء؛ الجميع يعرف أنها مؤقتة وهشة، وأن وجودها مشروط باستمرار نفس الظروف التي سمحت بها.

وفي المقابل، كم من العلاقات في الواقع تُبنى على هذا النمط دون أن يُصرّح بذلك؟ علاقات تقوم على المجاملة، أو المنفعة السريعة، أو التواجد المشترك في ظرفٍ معين، ثم تُمنح أسماءً أكبر من حقيقتها. تبدو قائمة، لكنها في الحقيقة معلقة بخيط رفيع، تنتظر أول تغير لتنكشف. ليست المشكلة في وجودها، بل في الاعتقاد بأنها شيء آخر غير ما هي عليه.

وفي زاوية مختلفة من المشهد، يظهر عنصر آخر أكثر تعقيدًا: من يدخل إلى التفاعل لا ليكون جزءًا من نتائجه، بل ليُسهّل حدوثه. يقرّب المسافات، يسرّع الخطوات، يفتح الطرق المغلقة، ثم يخرج كما دخل، دون أن يتغير أو يلتزم بشيء. وجوده مؤثر، وأثره واضح، لكنه لا ينتمي إلى أي طرف. إنه حاضر في اللحظة، غائب عن النتيجة.

هذا الدور، رغم أهميته، يكشف نوعًا آخر من العلاقات: علاقات تُبنى على التأثير لا على الانتماء، على القدرة على التسهيل لا على الاستعداد للبقاء. وقد يختلط الأمر على من يراقب، فيظن أن من كان سببًا في حدوث الشيء هو جزء منه، بينما الحقيقة غير ذلك تمامًا.

وعندما تتجمع هذه الصور كلها في لوحة واحدة، تتشكل أمامنا رؤية مختلفة لما نعتبره “صحبة” أو “ولاء”. فالكيمياء لا تقول إن هذه الأشياء غير موجودة في المطلق، لكنها تُظهر بوضوح أن كثيرًا مما يُظن كذلك ليس إلا أشكالًا مختلفة من التوازنات المؤقتة، أو الارتباطات المشروطة، أو التفاعلات التي يحكمها الظرف أكثر مما يحكمها المبدأ.

إن أخطر ما في الأمر ليس أن تتغير العلاقات، فالتغير قانون كوني لا يُستثنى منه شيء، بل أن يُبنى الوعي على تصورٍ غير دقيق لطبيعتها. حين يُعتقد أن كل من اقترب قد اقترب بدافع البقاء، وأن كل من اجتمع قد اجتمع على معنى واحد، وأن كل من أظهر توافقًا قد وصل إلى قناعة، هنا فقط تحدث الصدمة عندما تتبدل الظروف ويظهر ما كان مخفيًا.

في الكيمياء، لا تُصاب الجزيئات بالدهشة حين تنفصل، لأنها لم تفترض يومًا أن ارتباطها أبدي. أما الإنسان، فمشكلته أنه يمنح الأسماء قبل أن يفهم القوانين، ويُسمي الشيء بما يتمنى لا بما هو عليه. لذلك يبدو له التغير خيانة، والانفصال غدرًا، بينما قد لا يكون في حقيقته إلا عودةً إلى الأصل: كل شيء يتحرك وفق ما يُحقق له أكبر قدر من الاتزان.

ومن هنا، لا تُقدم لنا الكيمياء درسًا في المادة فقط، بل في النظر أيضًا. تعلمنا أن نُفرّق بين ما هو ثابت بطبيعته، وما هو ثابت بظروفه، بين ما يقوم على جذور عميقة، وما يقف على سطحٍ قابل للاهتزاز. وتدعونا، دون أن تتكلم، إلى أن نُعيد تسمية الأشياء كما هي، لا كما نحب أن تكون.

فليس كل من دار حولك جزءًا منك، وليس كل من وافقك كان معك، وليس كل من بقي سيبقى. بعضهم ارتبط لأن الظروف جمعته، وبعضهم توازن لأن الكفة لم ترجح بعد، وبعضهم اقترب لأنه وجد مصلحة في القرب. فإذا تغيرت المعادلة، تغيرت المواقع، لا لأن العالم أصبح أسوأ، بل لأنه عاد إلى قانونه الأول.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا تحتاج إلى تزيين: في الكيمياء، لا أحد يبقى لأن عليه جميلًا، أو لأن عليه عهدًا، بل لأن الشروط ما زالت تسمح ببقائه. فإذا زالت، زال معها كل شيء دون ضجيج. أما القسوة الحقيقية، فليست في هذا القانون، بل في أن يتصرف بعض البشر وفقه، ثم يُصرّون على أن ما كان بينهم يومًا يُسمى وفاء.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى / المركز القومى للبحوث/ مصر ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاته العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثه وبراءات اختراعه العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51