في تطور بيئي خطير، وثّق أحد صيادي السمك في قضاء الهارثة بمحافظة البصرة العراقية تسرب مخلّفات نفطية داكنة من محطة كهرباء الهارثة إلى مياه شط العرب، لتتكوّن بقع زيتية خانقة فوق سطح النهر، ناشرة رائحة نفاذة.
هذا المشهد المقلق لم يقتصر أثره على الأسماك والطيور، بل بات يهدد البيئة البحرية وصحة السكان المحليين، ولم تنفِ إدارة محطة كهرباء الهارثة وقوع التسرب، لكنها قالت إنه كان محدودًا وتمت السيطرة عليه قبل وصوله إلى مجرى النهر.
ويُعد شط العرب واحدًا من أهم الممرات المائية في جنوب العراق، إذ يتشكل من التقاء نهري دجلة والفرات في مدينة القرنة، ويمتد جنوبًا ليصب في الخليج العربي. على ضفافه تنتشر قرى الصيادين والمزارعين، وتستفيد منه موانئ وشركات نقل، ما يجعله شريانًا اقتصاديًا واستراتيجيًا لا يمكن الاستغناء عنه. أي تلوث يصيبه يعني ضرب قلب الحياة في البصرة، وتهديد الأمن المائي والغذائي في المنطقة بأكملها.
الفيديو الذي نشره الصياد أشعل موجة من الغضب الشعبي والاستياء بين السكان والنشطاء البيئيين، وأعاد إلى الواجهة ملف التلوث المزمن الذي يعاني منه شط العرب منذ سنوات. ومع تصاعد القلق من انتشار الملوثات في المياه وتراكم آثارها، تتجدد المطالب بضرورة تحرك عاجل وحاسم من الجهات المعنية، ليس فقط لاحتواء الحادث الحالي، بل لوضع خطط وقائية تحمي هذا المورد الحيوي قبل فوات الأوان. فما طبيعة هذا التلوث؟ وكيف يمكن الحد من تداعياته؟
تدهور نوعية مياه شط العرب
لا تعد مسألة التلوث في مياه شط العرب أمرًا جديدًا، إذ كشف العديد من الدراسات السابقة عن تزايد مستويات الملوحة والملوثات الكيميائية في المنطقة. ومن أبرز هذه الدراسات تلك التي أجريت في جامعة البصرة، والتي سلطت الضوء على تدهور نوعية المياه في النهر، خصوصًا في المناطق الجنوبية القريبة من الخليج العربي.
إذ كشفت دراسة علمية المعنونة بـ” دراسة هيدروكيميائية لمياه شط العرب في مدينة البصرة”، أن مياه شط العرب تعاني من تدهور كبير في نوعيتها بسبب ارتفاع نسب الملوحة والملوثات الكيميائية، حيث أظهرت التحاليل الكيميائية تفاوتًا واضحًا في تركيز الأيونات الموجبة والسالبة بين المناطق الشمالية والجنوبية من النهر.
وبحسب الدراسة، فقد سجلت محطة الفاو ( إحدى المحطات الواقعة في أقصى جنوب العراق، حيث يصب شط العرب في الخليج العربي) أعلى معدلات الملوحة، حيث بلغت قيم إجمالي المواد الصلبة الذائبة (TDS) 14600.50 mg/L خلال فصل الصيف، في حين كانت أدنى القيم في محطة القرنة شمالًا.
كما أظهرت النتائج أن مستويات الكالسيوم، المغنيسيوم، والصوديوم تزداد كلما اتجهنا جنوبًا بسبب تأثير المد الملحي القادم من الخليج العربي، مما يؤدي إلى ارتفاع معدل الإيصالية الكهربائية (EC) ويجعل المياه غير صالحة للاستهلاك البشري والري إلا بعد معالجتها.
بالإضافة إلى ذلك، كشفت الدراسة عن وجود مستويات مرتفعة من الكلوريد والكبريتات في المناطق الجنوبية، حيث بلغت أعلى قيمة للكلوريد 3811.77 mg/L في الفاو خلال فصل الصيف، مما يعكس التلوث المتزايد وتأثير الصرف الصناعي والزراعي.
ووفقًا لتصنيف منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، فإن مياه شط العرب تعاني من قيود شديدة بسبب الملوحة، مما يجعلها غير مناسبة للري من دون تدابير معالجة وتحلية، وهو ما يستدعي تدخل الجهات المختصة لمعالجة التلوث والحد من تداعياته البيئية والاقتصادية.
تلوث نفطي خطير
أكّدت لجنة الزراعة والمياه والبيئة في البرلمان العراقي وجود تلوث نفطي خطير يهدّد حياة المواطنين في محافظة البصرة، جنوب العراق، بسبب تسرّب المخلّفات النفطية في مياه شط العرب.
وذكرت اللجنة في بيان لها أنها تشعر بقلق بالغ بشأن التلوث الحاصل في مياه شط العرب بسبب المخلّفات الناتجة عن محطة كهرباء الهارثة، مؤكدة أن هذا التلوث يشكّل تهديدًا مباشرًا للبيئة المائية والصحة العامة.
كما أضافت اللجنة أن هذا التلوث يؤثر سلبًا على الثروة السمكية ومصادر المياه المستخدمة من قبل المواطنين، وأنه يُعدّ مخالفة صريحة لقانون حماية وتحسين البيئة رقم (27) لسنة 2009، بالإضافة إلى مخالفته للمادة (33) من الدستور العراقي التي تضمن السلامة البيئية وحماية التنوع البيولوجي.
ويرى مدير منظمة طبيعة العراق جاسم الاسدي، أن التلوث النفطي يعد من أخطر أنواع التلوث البيئي، حيث يتسبب في تدمير النظم البيئية البحرية والبرية. في مناطق مثل شط العرب، يؤدي تسرب النفط من المصافي والمخلفات الصناعية إلى تلوث المياه بشكل كبير، ما يهدد الحياة البحرية والثروة السمكية.
يقول الأسدي في حديثه لـ مجلة نقطة علمية، أن النفط المتسرب يشكل طبقة دهنية على سطح المياه، مما يحجب الضوء عن النباتات البحرية ويؤثر على التوازن البيئي. الأسماك والكائنات البحرية الأخرى قد تتعرض للإصابة أو الموت بسبب التسمم النفطي، ما يؤدي إلى تراجع أعدادها بشكل ملحوظ.
كما أن المخلفات النفطية تؤثر سلبًا على التربة والهواء، مما يساهم في تدهور جودة البيئة بشكل عام، علاوة على ذلك، التلوث النفطي يؤثر بشكل غير مباشر على الإنسان، حيث قد يصل النفط إلى مصادر المياه التي يستخدمها المواطنون، ما يتسبب في مشاكل صحية كبيرة، وفق حديثه.
ما الحل ؟
تتطلب مواجهة التلوث النفطي إجراءات صارمة ومتعددة الأبعاد تهدف إلى الحد من تأثيراته السلبية على البيئة وصحة الإنسان. يرى الأسدي أن أولى هذه الخطوات، هي تعزيز الرقابة البيئية على الصناعات النفطية والتأكد من تطبيق المعايير البيئية الصارمة أثناء عمليات الاستخراج والنقل. من الضروري أيضًا الاستثمار في التقنيات الحديثة التي تمكن من الكشف المبكر عن التسربات النفطية ومنعها، مثل أنظمة المراقبة الذكية التي تستخدم الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار المتطورة لرصد التسربات في البحر والبر.
من الحلول الأخرى، بحسب الأسدي، يمكن تعزيز جهود تنظيف الشواطئ والبحار من التلوث النفطي من خلال تكوين فرق متخصصة ومعدات حديثة. كما يجب توفير خطط طوارئ لمكافحة التسربات النفطية في حال حدوثها، وتشجيع الشركات على اتباع أفضل الممارسات في إدارة النفايات النفطية والمخلفات الصناعية.
لحل مشكلة التلوث النفطي على المدى الطويل، يجب العمل على التحول تدريجيًا إلى مصادر طاقة بديلة ومستدامة، مثل الطاقة الشمسية والرياح، مما يقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري. هذا التحول سيقلل من الانبعاثات النفطية ويحسن جودة البيئة بشكل عام. يجب أن تشمل الحلول أيضًا رفع الوعي البيئي بين المجتمعات المحلية حول مخاطر التلوث النفطي وتشجيع المشاركة المجتمعية في جهود حماية البيئة، وفق حديثه.
في الختام، تلوث شط العرب يشكل تحديًا كبيرًا يحتاج إلى تكاتف الجهود لحماية البيئة وصحة المواطنين. من الضروري اتخاذ خطوات عاجلة مثل تحسين الرقابة البيئية والتحول إلى مصادر طاقة مستدامة لضمان مستقبل أفضل لهذا المورد الحيوي.



