تجارب مخبرية ونتائج سريرية أولية واعدة بدون أعراض جانبية
نجح فريق من العلماء السوريين في تطوير دواء جديد لأمراض المناعة الذاتية يعتمد على “تنظيم المناعة” بدلاً من “تثبيطها”، وهو ما يُعد سبقاً علمياً و تحولاً جوهريًا في علاج الأمراض المناعية الذاتية المزمنة.
وقد أظهرت التجارب الأولية نتائج ايجابية، حيث لم تسجل أي أعراض جانبية خطيرة مع مؤشرات أولية لاستجابة سريرية لدى المرضى مبشرة بالتعافي.

العقار “LPX-TI641” تم تطويره في شركة لابكس الدوائية التي أسسها الدكتور أنس فتح الله الخبير في علم الأدوية السريري – في بوسطن- الولايات المتحدة الأمريكية ليحقق حلم ظل يراوده لأكثر من تسع سنوات منذ إعداده لرسالة الدكتوراه، في جامعة بوفالو- أمريكا.
بدأت الفكرة تتبلور في عام 2019 عندما التقى الدكتور فتح الله بمواطنه الدكتور عبد الرؤوف رمضان، الحاصل على دكتوراه في علم المناعة من جامعة السوربون – باريس، وقررا معًا العمل على تطوير علاج يعيد توازن الجهاز المناعي دون اللجوء إلى التثبيط الكامل كما هو معتاد في كافة العقاقير المماثلة في حالات أمراض المناعة الذاتية.

الدواء الجديد هو جزيئ يحاكي(Phosphatidylserine) أحد العناصر الطبيعية التي تعمل على تنظيم الاستجابة المناعية السليمة في الجسم.
و يعمل العقار “LPX-TI641” على زيادة نسبة الخلايا المناعية المنظمة وخفض نسبة الخلايا المناعية المرضية بشكل مستقل عن المستضدات المرضية، ما يعتبر قفزة نوعية في عالم العلاج بالتنظيم المناعي منذ بدء الدراسات في هذا المجال في سبعينيات القرن الماضي.
وفي رحلتها للوصول للعقار الجديد قدمت شركة لابكس 13 براءة اختراع أمريكية ودولية، وحصلت على تصاريح للدراسات السريرية على مرضى التصلب اللويحي، والتهاب المفاصل الرثوي والصدفي، الصدفية، و التهاب الجلد الحرضي (الأكزيما) من هيئة الغذاء والدواء الامريكية.
انضم الدكتور صالح اللبابيدي والدكتور باسل كرزون المختصان في الصيدلانيات و التصميم الدوائي للشركة للإشراف على تصنيع المادة الدوائية وتطوير صيغة صيدلانية فعالة لتصنيع الدواء بشكل أمن ومناسب لأوسع شريحة ممكنة من المرضى، وذلك ضمن خطط النمو السريع في الشركة و النتائج المخبرية المشجعة، و لضمان التحضير المناسب للمرحلة السريرية.

يقول الدكتور رمضان ” تأهيل الجهاز المناعي عند مرضى المناعة الذاتية بتنشيط ورفع كفاءة الخلايا المناعية التائية والبائية المنظمة (T-reg and B-reg) بشكل مستقل عن المستضدات يجعل “LPX-TI641″ واسع الطيف وهو ما لم يكن ممكناً في عالم العلاج بالتنظيم المناعي”.
من جهته، أشار الدكتور اللبابيدي أن تطوير هذا الدواء ليعطى فمويا يحسن الالتزام و يخفف العبء العلاجي لمرضى المناعة الذاتية.
أما الدكتور باسل كرزون، المسؤول عن تصميم الصيغة الدوائية، فأشار إلى أن تطوير دواء جزيئي فموي بدلاً عن علاج حيوي حقني في مراكز طبية متخصصة يجعل هذا الدواء في متناول الجميع خاصة من يعيش في المناطق النائية أو ذات المناخ الصعب أو الدول التي تعاني شحاً في البنية التحتية الصحية.
مراحل التطوير والدراسات التمهيدية
لعبت التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي دوراً محوريا في تسريع الأبحاث وتقليل التكاليف، من خلال محاكاة تفاعلات آلاف الجزيئات مع المستقبلات المناعية برمجيا، مما قلص مدة اكتشاف الدواء من سنوات إلى أقل من عام، وبتكلفة تقل عن نصف مليون دولار.
بعد نجاح مرحلة المحاكاة، تم تصنيع المركب و اخضاعه لسلسلة من التجارب لمعرفة الحركية والتفاعلية الدوائية و دراسات الاستساغة والسمية و الفعالية العلاجية على الحيوانات أصولاً، حسب معايير هيئة الدواء والغذاء الامريكية التي منحت التصاريح للعمل السريري بموجب النتائج الايجابية لهذه الدراسات.
مراحل الدراسات السريرية
أظهرت المرحلة الأولى من التجارب على متطوعين أصحاء عدم وجود آثار جانبية تذكر مما مهد للانتقال إلى مرحلة التجارب السريرية على المرضى لاختبار فعالية وسلامة العلاج.
وللحفاظ على السمة العربية للاختراع, حرص الفريق العلمي على تجريع أول مريضين في العالم بالدواء التجريبي في عمان- بالمملكة الأردنية الهاشمية، بعد موافقة هيئة الغذاء والدواء الأردنية،.
ويأمل الفريق من خلال هذه التجربة في جعل العالم العربي ضمن مصاف الدول الأولى من حيث اجراء الدراسات السريرية الحديثة والنوعية.
التمويل
يقول الدكتور فتح الله “الشركة استطاعت الانتقال من مرحلة الاكتشاف إلى مرحلة الدراسات السريرية بتمويل متواضع لا يتجاوز ال 15 مليون دولار امريكي”.
والجدير بالذكر أن 80% من الكادر العلمي في الشركة هم سوريون ، بينما لا تتجاوز نسبة الاستثمارات العربية في الشركة الـ 10% كان أغلبه بمبادرة تمويل خاص لأفراد من المملكة العربية السعودية ودولة قطر.

ومن المتوقع وصول القيمة السوقية للشركة إلى ما يقارب المليار دولار أمريكي حال نجاح التجارب السريرية القائمة حالياً.
يأمل الدكتور فتح الله أن تؤدي تجربة لابكس الى تسليط الضوء على أهمية الاستثمار العربي في مجالات التقنية الحيوية عامة والتطوير الدوائي خاصة في الوطن العربي وليس فقط من ناحية العائد الاستثماري بل من أجل الأمن الدوائي والارتقاء في المستوى العلاجي.
وأضاف الدكتور فتح الله أنه يطمح لرؤية صناديق استثمارية عربية تركز على التقنية الحيوية العلاجية، وكذلك توفير بنية تحتية علمية وتشريعية لدعم الابتكار والتطوير الدوائي من المحاكاة الرقمية إلى التجارب السريرية المتقدمة بالإضافة إلى الحصول على تراخيص تسويقية أسوة بالدول الرائدة في هذا المجال.



