المكبلون في الأرض

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

في زحام الحياة، قد تلتقي بأشخاص يبدون أحرارًا في حركتهم، طلقاء في مساراتهم، لكنهم في حقيقتهم يحملون قيودًا أثقل من الحديد. ليسوا سجناء جدران، ولا أسرى قضبان، بل أسرى أفكارهم، رهائن مخاوفهم، ومقيدون بما رسخ في داخلهم من عجزٍ متوهم أو استسلامٍ صامت.

المكبلون في الأرض هم أولئك الذين فقدوا القدرة على المبادرة، لا لأنهم لا يملكون الوسائل، بل لأنهم فقدوا الإيمان بقدرتهم على التغيير. يعيشون داخل دائرة مغلقة من التردد، يكررون ذات الخطوات، ويخشون الخروج عن المسار المألوف، حتى وإن كان هذا المسار يقودهم إلى اللاشيء.

يبدأ التقييد غالبًا بلحظة ضعف: تجربة فشل لم تُفهم، كلمة قاسية لم تُنسَ، مقارنة جارحة زرعت في النفس شعورًا بالنقص. ومع مرور الوقت، تتحول هذه اللحظات إلى قناعات، ثم إلى قيود تحكم السلوك وتحدد المصير. وهنا تكمن الخطورة؛ حين يصبح القيد جزءًا من الهوية، لا مجرد عارض عابر.

تجد المكبل لا يحلم كثيرًا، وإن حلم، سرعان ما يطفئ حلمه بنفسه. يسبق الآخرين في هدم احتمالات النجاح قبل أن تُختبر، ويُجيد تبرير الجمود أكثر من سعيه نحو التغيير. يراقب من بعيد أولئك الذين يجرؤون، وربما ينتقدهم، لا لشيء إلا لأنه يخشى أن يرى فيهم ما فقده في نفسه.

ورغم ذلك، فإن القيد الحقيقي ليس في الفشل، بل في الاستسلام له. فكم من إنسان تعثر ثم قام، وكم من آخر لم يسقط أصلاً، لكنه لم يتحرك خطوة واحدة. الفرق بينهما ليس في القدرة، بل في القرار.

الأرض ليست ضيقة كما يراها المكبلون، لكنها تضيق حين تضيق النفوس، وتُظلم حين تُطفأ جذوة الأمل في داخل الإنسان. ومن المؤلم أن يعيش الإنسان عمره وهو يظن أن حدوده هي حدود الحياة، بينما الحقيقة أن حدوده لم تكن إلا حدود خوفه.

التحرر لا يتطلب معجزة، بل يتطلب مواجهة صادقة مع الذات. أن يسأل الإنسان نفسه: ما الذي يمنعني حقًا؟ هل هو الواقع، أم تصوري عنه؟ وهل القيد مفروض عليّ، أم أنني من تمسكت به حتى صار جزءًا مني؟

الخطوة الأولى نحو الحرية قد تكون صغيرة، لكنها حاسمة. قد تكون قرارًا بتجربة جديدة، أو رفضًا لفكرة قديمة، أو حتى مجرد الإيمان بأن التغيير ممكن. ومع كل خطوة، يبدأ القيد في التلاشي، ويستعيد الإنسان شيئًا فشيئًا إحساسه بذاته.

المكبلون في الأرض ليسوا عاجزين، بل مؤجلون. مؤجلون إلى أن يقرروا كسر ما بداخلهم قبل أن يبحثوا عن مفاتيح خارجهم. وحين يفعلون، يدركون أن الأرض لم تكن يومًا سجناً، بل كانت دائمًا مساحة مفتوحة… تنتظر من يجرؤ على السير.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وباحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى / المركز القومى للبحوث/ مصر ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالات علمية وأدبية وقانونية، وأبحاث وبراءات اختراع علمية متخصصة، يعد جميعها صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والأدبى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51