اللغة السرية التي تدير الكون: دراما الأكسدة والاختزال

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

في قلب كل شرارة نار، وكل نفسٍ نتنفسه، وكل بطارية تُشغّل هاتفك… هناك قصة غير مرئية تدور في صمت: إنها قصة انتقال الإلكترونات، أو ما يعرف بتفاعلات الأكسدة والاختزال.

قد يبدو الاسم معقدًا، لكنه في جوهره بسيط للغاية: تخيّل أن الإلكترونات عملة صغيرة تتبادلها الذرات فيما بينها. ذرة تعطي… وأخرى تأخذ. هذه الحركة المستمرة هي التي تُشعل الكون من حولنا.

عندما تفقد مادة إلكترونات، نقول إنها تأكسدت. وعندما تكتسب مادة أخرى هذه الإلكترونات، نقول إنها اختُزلت. ولا يحدث أحدهما دون الآخر؛ فكل فقدان يقابله اكتساب، وكأننا أمام صفقة متوازنة لا تقبل الخلل.

خذ مثالًا بسيطًا لكنه عميق الدلالة: قطعة من الزنك توضع في محلول يحتوي على النحاس. في هدوء تام، يبدأ الزنك في “التخلي” عن إلكتروناته، بينما يستقبلها النحاس. بعد قليل، يتكوّن نحاس صلب على السطح، ويذوب الزنك في المحلول. لا ضجيج، لا لهب… ومع ذلك، حدث تحول كيميائي كامل.

لكن الصورة تصبح أكثر إثارة عندما ننظر إلى النار. عندما يحترق الوقود، مثل الميثان، فإنه يدخل في تفاعل مع الأكسجين. هنا، يفقد الكربون إلكترونات، بينما يكتسبها الأكسجين. النتيجة؟ حرارة، ضوء، وطاقة هائلة تُحرّك المصانع والسيارات وحتى المدن.

والأمر لا يتوقف عند ذلك. داخل أجسامنا، تحدث نسخة أكثر دقة وتنظيمًا من هذه التفاعلات. في عملية التنفس، يتم “حرق” الجلوكوز بطريقة محسوبة، حيث تنتقل الإلكترونات عبر سلسلة معقدة لتوليد الطاقة التي تُبقيك حيًا. أنت، في الحقيقة، عبارة عن نظام أكسدة واختزال يعمل بلا توقف.

في الصناعة، تتحول هذه التفاعلات إلى أدوات هائلة. فمثلاً، عندما نريد استخراج الحديد من خامه، لا نقوم إلا “بإقناع” الأكسجين بترك الحديد. يتم ذلك باستخدام أول أكسيد الكربون، الذي يسحب الأكسجين بعيدًا، تاركًا الحديد نقيًا. إنها عملية اختزال… لكنها في الواقع أساس بناء الجسور وناطحات السحاب.

أما في عالم الكهرباء، فالقصة تأخذ شكلًا مختلفًا. البطارية ليست إلا مسرحًا صغيرًا لتفاعلات الأكسدة والاختزال. مادة تفقد إلكترونات، وأخرى تستقبلها، والإلكترونات تسير عبر سلك خارجي… وهذا التيار هو ما يُشغّل أجهزتك. ببساطة: كل مرة تستخدم فيها هاتفك، فأنت تستفيد من تفاعل كيميائي صامت.

وحتى في حماية البيئة، نجد لهذه التفاعلات دورًا حاسمًا. معالجة المياه، إزالة الملوثات، وحتى تعقيمها… كلها تعتمد على مواد مؤكسدة قوية تقوم بتفكيك المركبات الضارة وتحويلها إلى مواد أقل خطورة.

لكن ربما المثال الأكثر قربًا من حياتنا اليومية هو “الصدأ”. قطعة حديد تُترك في الهواء والرطوبة تبدأ تدريجيًا في فقدان إلكتروناتها، ويتحوّل سطحها إلى طبقة بنية هشة. إنها عملية أكسدة بطيئة… لكنها تذكير دائم بأن هذه التفاعلات لا تتوقف أبدًا.

في النهاية، تفاعلات الأكسدة والاختزال ليست مجرد موضوع دراسي في الكيمياء، بل هي اللغة التي تتحدث بها الطبيعة عندما تريد أن تُحدث تغييرًا. من أصغر خلية في جسمك، إلى أكبر مصنع في العالم، هناك دائمًا إلكترونات تتحرك… وتحكي قصة لا تنتهي.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى / المركز القومى للبحوث/ مصر ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاته العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثه وبراءات اختراعه العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51