وقود المسيرة البشرية

البروفيسور " نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

الوهم هو تشوُّه يحدث للحواس، ويَكشِف كيف يُنظم الدماغ ويُفسِّر الإثارة الحسية.  وعلى الرغم من أن الأوهام تُشوه الحقيقة، يتشارك فيها عادةً معظم الناس. وتُؤثر الأوهام عادةً على حاسة الإنسان أكثر من رؤيته. بينما يُعد الخداع البصري أكثر أنواع الوهم شهرةً وتفهماً. ومع ذلك، ان مفهوم الوهم هو ظاهرة متعددة الأوجه، تختلف تفسيراتها بين الفلاسفة وعلماء النفس.

ان الوهم فى جوهره ليس كذبة كما يبدو من اللحظة الأولى، بل ضرورة تحرس التوازن الانسانى، لأن الحقيقة العارية لا تطاق ومن دون مسحة الحلم أو الوهم، سيختنق الوعى فى فراغه. والانسان فى جوهره كائن يقتات دائما على الرجاء من خلال اتخاذه من الغد أكسير يتجرعه اليوم ليواصل مسيرته البشرية. ففى البداية، يتوهم الانسان أن العمل أو الوظيفة ستجعله سعيدا، ثم يتوهم أن الزواج سيجعله أكثر سعادة، وحين يخيب وهم الزواج يلجأ الى الوهم الثالث وهو الأطفال أو الأبناء، ظنا منه أن فى امتداد دمه خلاص من زواله، ويظل يتوهم ويتوهم حتى يموت. المشكلة ليست فى العمل او الزواج أو الأطفال، بل فى القلب الذى لايهدأ، ويتعلق دائما بما لا يملكه، وكأنه خلق ناقصا ويبحث عن نصفه المفقود.

قد يساهم الوهم فى دعم الأمل والتفاؤل، يُعطي الوهم الإنسان القدرة على الاستمرار رغم الصعوبات، إذ يخلق له صورًا مثالية عن المستقبل، مما يعزز من قدرته على التحمل والمثابرة. وقد يكون مصدر للراحة النفسية، بعض الأوهام تساعد الإنسان على التخفيف من مخاوفه وقلقه، وتوفر له نوعًا من الهروب من الواقع المرير أو الضغوط النفسية. وقد يساهم فى التحفيز والإبداع،  يلعب الوهم دورًا في إلهام الإنسان، وتحفيزه على الابتكار والتفكير خارج الصندوق، فالكثير من الاختراعات والأفكار الإبداعية نشأت من تصورات غير واقعية إلا أنها كانت بمثابة بداية لتحقيق الأحلام. وقد يعزز تكوين العلاقات الاجتماعية، أحيانًا يُبنى الوهم على أمل أن يكون الآخرون كما نتصورهم، مما يعزز الثقة والأمل في العلاقات الإنسانية.

يرى الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه ، أن الوهم هو جزء لا يتجزأ من طبيعته البشرية، فهو نتيجة الرغبات والأوهام التي يخلقها الإنسان ليمنح ذاته معنىً ويخفف من وطأة الواقع المزعج. إذ يعتقد أن الإنسان يلجأ إلى الأوهام كوسيلة للهروب من الحقيقة، خاصة في مواجهة الألم والمعاناة. ومع ذلك، يحذر نيتشه من أن الاعتماد المفرط على الأوهام قد يؤدي إلى خداع الذات وإبعاد الإنسان عن الحقيقة، مما يهدد نموه الروحي ويعوق تقدمه. لذا، يدعو نيتشه إلى إعادة تقييم القيم والأوهام، والسعي نحو القوة والصدق مع الذات، باعتبارها الطريق لتحقيق الحرية والنمو الحقيقي.

أما عالم النفس السويسري كارل غوستاف يونغ ، فينظر إلى الوهم من زاوية نفسية أعمق، حيث يراه تعبيرًا رمزيًا عن جوانب غير مدركة من النفس، تظهر غالبًا في الأحلام والخيالات. يعتقد يونغ أن الوهم ليس مجرد خيال غير واقعي، بل هو رسالة من اللاوعي تعبر عن احتياجات ورغبات مكبوتة تدعو الفرد إلى فهم ذاته بشكل أعمق. فبالنسبة ليونغ، الوهم أداة علاجية تساعد على تحقيق التوازن الداخلي والنمو الروحي، إذ يوجه الإنسان نحو تكامل شخصيته وتجاوز الأزمات النفسية.

فالمجتمع ذاته ليس الا شبكة من الأوهام المتداولة، كلما صدقناها أكثر، استطعنا أن نعيش بسلام أطول. لأن الوهم ليس عدوا للوعى، بل درعا واقيا من قسوته. وهو ليس مرضا بل طاقة، ولولاه كان الانسان قد انتحر منذ لحظته الأولى فى الوعى. حتى الفكر بلا أوهام يتحول الى مرض مزمن. اننا لا نحتاج الى الحقيقة لنبقى أحياء، بل نحتاج ما يجعلنا نتحملها. في النهاية، يبقى الوهم جزءًا أساسيًا من حياة الإنسان، يسانده في مواجهة تحديات الحياة، بشرط ألا يتحول إلى قيود تعوق نضجه وتطوره.

شارك المقالة
** أستاذ المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى / مصر ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** تعد كل مقالاتى وأبحاثى وكل ما حصلت عليه من براءات اختراع ، صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والأدبى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51