لا يتوقف السطو العلمى على غياب ضمير باحث اعتدى على الحقوق البحثية الخاصة أو العامة للأخرين، بل امتد لينال من يدعون أنهم أهل العفة والعفاف من بعض المجلات العلمية المحلية أو العالمية. تدعى هذه المجلات والقائمين عليها أنهم حماة الحمى وقضاة محكمة أخلاقيات البحث العلمى، وهم على النقيض من كل هذا عندما يقتلون كل مولود فى مهده بنشرهم ما يطلقون عليه الطبعة الأولية (Preprint) التى تمثل النسخة الخام من البحث المرسلة الى المجلة العلمية قبل مراجعتها من رئيس تحرير هذه المجلة وقبل ارسالها الى المراجعين أو المحكمين. يستند هؤلاء الكهنة فى نشرهم للطبعة أو النسخة الأولية الى حق أريد به باطل، وأرى أنه باطل أريد به القتل العمد مع سبق الاصرار والترصد. حيث يدعى هؤلاء أنهم بهذا النشر يلتقطون رأى المجتمع العلمى ويكتشوف أى اعتداء على اخلاقيات البحث العلمى التى لم يهتك عرضها الا من خلالهم ومن خلال هذا النشر غير الطبيعى. وتزداد شدة المأساة ، ويزداد الطين بلة، وتضيع كل حقوق المؤلفين عند عدم قبول البحث من المراجعين أو المحكمين، ويزداد الضياع ضياعا، ويصبح القتل متعمدا عند عدم القبول بناءا على الرأى الفردى من رئيس تحرير المجلة أن البحث لا يندرج ضمن مجالات المجلة، هذا القرار الفردى الذى قد يحتمل الصواب أو الخطأ. سبق اصرار من الجانى وترصد بالمجنى عليهم (المؤلفين) وقتلهم عمدا عندما يتم فهرسة هذه الطبعة الأولية بواسطة معرف الكائن الرقمى (Digital Object Identifier, DOI). هذا الرمز الأبجدى الرقمى الفريد الدائم يُستخدم لتحديد هوية المواد الرقمية مثل المقالات، الكتب، والملخصات، ويوفر رابطًا ثابتًا للوصول إليها، مما يسهل البحث عنها وتوثيقها في الأبحاث الأكاديمية. يُشبه دوره رقم الهوية الثابت للمادة الرقمية، حتى لو تغير موقعها على الإنترنت.
يتم بعثرة النتائج العلمية على منصات هذه المجلات ، نعم نتائج مبعثرة دون أن تكون فى عدد محدد للمجلة او عدد واضح للصفحات أو عام النشر، جريمة ما بعدها جريمة لما فيها من هدر كامل لمجهود ووقت ومال المؤلفين للبحث أو الورقة العلمية. وهنا يتضح الحق الذى أريد به الباطل، أو الباطل الذى أفرز لنا جريمة شنعاء، وغاية سيئة اعتمدت على وسائل أكثر سوء، سعت الى زيادة نسبة مشاهدت ولفت الانظار الى هذه المجلات التى سلكت هذا السلوك السئ. أى منطقية أو عقل يقبل أن يكون هناك طبعة أولية دون فحص وتمحيص من الأقران، وأى مجنون هذا يقوم بنشر هذه الطبعة دون أن يقرر رئيس تحرير المجلة أن الورقة العملية تقع فى مجالات مجلته. هراء ما بعده هراء، وهلوسة ادارية ما بعدها هلوسة، تثبت ثبوت اليقين عندما نجد أنفسنا أمام هذه الهتلرية الفريدة من نوعها والتى يمكن لنا أن نطلق عليها مسمى ” هتلرية السطو العلمى”.
هتلرية السطو العلمى، تكمن فى قوة السلطة التى مكنتها الظروف لهذه المجلات، وجعلت منها القاضى والجلاد، ومكنتها من تقرير ما تراه وطرح ما لا يتطابق مع هواها وغايتها ووسائلها الغريبة. حتى وان انطلقت بعض الأصوات المؤكدة على أن الطبعة الأولية لا يعتد بها كوعاء نشر طالما أن ليس هنا عدد محدد و عدد واضح للصفحات البحثية، لأن الأصل هو ظهور النتائج فى وعاء واحد. ولا فرق عندى بين وعاء محدد المعالم ووعاء غير محدد، لأننا فى النهاية سوف نكون بين وعائين، وفى هذه الحالة يكون تكرار النشر فى وعائين محددين المعالم مقبول. ومن هنا تنطلق سهام ازدواجية المعايير.
ويأتى الحديث سريعا، بسرعة البرق ويفرض علينا ازدواجية المعايير والعدالة المشوهة، عندما نعاقب المؤلفين الذين تم قبول بحوثهم فى وعائين، ويقوم أصحاب هذه الأوعية او المجلات بما لها من سلطة القرار المنفرد بسحب البحث من وعائها مع التشهير بالمؤلفين، فى حين يتم سطوها على الانتاج العلمى للكثير من المؤلفين تحت مسمى الطبعة الأولية التى يمكن لها ان أطلق عليها الطبعة الاستيلائية التى عبرت وبقوة عن نظرية التعسف فى استعمال الحق. تعسف تحول معه ممارسة الحق الى عمل غير مشروع يترتب عليه مسؤولية قانونية للمتعسف، ولكن وبكل أسف تضيع كل حقوق المؤلفين للورقة العلمية، نظرا لوجود غش وتدليس من هذه المجلات، وعدم وجود جهة معينة تعوض الضرر وتعيد الأمور لمجراها الطبيعي.
لذا، يجب على عقلاء المجتمع العلمى، أن يتوخوا الحذر ويتخذوا كل التدابير اللازمة لوأد هذه الفتنة التى استفحل أمرها وذاع صيتها تحت مسمى الطبعة الأولية.



