هل لفت انتباهك في الفترة الأخيرة مصطلح “الاقتصاد البرتقالي”؟ قد يكون تصدر حديث الحوارات في البودكاستات، أو تكرّر ظهوره في مقاطع تيك توك الموجزة، وربما لمحته في إعلان عن جلسة حوارية في جامعتك، مما أثار فيك فضولًا لاكتشاف سر هذا المصطلح الذي صار محور نقاش واسع في وسائل الإعلام ووسائل التواصل العربية والعالمية.
الاقتصاد البرتقالي هو أكثر من كلمة؛ إنه نتاج تلاقي الفنون والثقافة والتكنولوجيا وريادة الأعمال ليشكّل إطارًا اقتصاديًا جديدًا يبني مستقبلًا مختلفًا للنمو والتنمية، مستندًا إلى استثمار مواردنا البشرية والمعرفية والثقافية. فلنغص معًا في هذا العالم الحيوي الذي يعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي على أساس الإبداع والمعرفة.
الاقتصاد البرتقالي أو الاقتصاد الإبداعي هو إطار اقتصادي شامل يجمع بين الصناعات الثقافية والإبداعية، ويركز على دور الإبداع والمعرفة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. يربط هذا الاقتصاد بين الفنون، الثقافة، التكنولوجيا، وريادة الأعمال، ويعتمد على استثمار الموارد البشرية والثقافية والمعرفية لتعزيز النمو المستدام.
ظهر هذا المفهوم رسميًا في بداية الألفية الجديدة على يد الخبير البريطاني جون هوكينز عام 2001 تحت مسمى “الاقتصاد الإبداعي”، حيث وصف الاقتصادات التي تعتمد على الإبداع والمعرفة بدلاً من الموارد التقليدية مثل الأرض ورأس المال والعمل. في عام 2011، أطلق وزير الثقافة الكولومبي السابق فيليبي بويتراغو، بالتعاون مع الرئيس الكولومبي إيفان دوكي ماركيز، مصطلح “الاقتصاد البرتقالي” ليبرز العلاقة الحيوية بين الفنون، الثقافة، وريادة الأعمال، ويدعم فرص التعبير والتقدم الاقتصادي للمبدعين والحرفيين.
تعرّف الأمم المتحدة الاقتصاد البرتقالي بأنه “مجموعة من الأنشطة الاقتصادية القائمة على المعرفة، ذات أبعاد تنموية وروابط متداخلة على المستويين الكلي والجزئي للاقتصاد”، ويشمل الأبعاد الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، إضافة إلى تفاعله مع التكنولوجيا، الملكية الفكرية، والسياحة.
هناك تشابه بين مصطلحات “الصناعات الثقافية” و”الصناعات الإبداعية” و”الاقتصاد البرتقالي”، لكن يمكن تمييزها كالآتي:
-الصناعات الثقافية: تشمل إنتاج سلع وخدمات ذات محتوى ثقافي وهوية، مثل السينما، الموسيقى، المسرح، الفنون التشكيلية، النشر، الإعلام، والحرف التراثية. وهي جزء من الاقتصاد الإبداعي يمثل الهوية والتراث المحلي.
-الصناعات الإبداعية: أوسع من الثقافية، إذ تشمل قطاعات تعتمد على الإبداع والابتكار حتى وإن لم تكن مرتبطة بالثقافة أو الفن بشكل مباشر، مثل الألعاب الرقمية، التصميم الجرافيكي، البرمجيات، الواقع الافتراضي، والإعلام التفاعلي. وتعتمد على حقوق الملكية الفكرية.
-الاقتصاد البرتقالي (أو الاقتصاد الإبداعي): الإطار الأشمل الذي يجمع القطاعين السابقين، ويضيف البعد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، مع التركيز على تحويل الإبداع إلى محرك حقيقي للنمو والتنمية المستدامة من خلال دمج الفنون، التكنولوجيا الحديثة، وحماية حقوق الملكية الفكرية.
وفقًا لتصنيفات منظمة اليونسكو، يشمل الاقتصاد البرتقالي مجالات متنوعة، منها:
-الفنون البصرية والتشكيلية: كالرسم والنحت والتصوير.
-التراث الطبيعي والثقافي: مثل المواقع التاريخية والمتاحف والمهرجانات الثقافية التي تعزز السياحة.
-الكتب، الصحافة، والنشر: صناعة النشر والإعلام المطبوعة والرقمية.
-فنون الأداء والاحتفالات: المسرح، الموسيقى، الرقص، والعروض الحية.
-الإعلام المسموع والمرئي والتفاعلي: الإذاعة، التلفزيون، الأفلام، إنتاج الموسيقى، والألعاب الرقمية.
-التصميم والخدمات الإبداعية: التصميم الصناعي، تصميم الأزياء، الجرافيك، والهندسة المعمارية.
-الموضة والملابس والإكسسوارات: تصميم وتصنيع الملابس والمجوهرات والمنتجات الثقافية.
-الابتكار والتكنولوجيا الإبداعية: دمج تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي، الواقع الافتراضي، والطباعة الثلاثية الأبعاد لتحويل الأفكار إلى منتجات وخدمات مبتكرة.
لماذا اللون البرتقالي بالتحديد؟
قال فيليبي بويتراغو في مقابلة مع أخبار الأمم المتحدة خلال فعاليات المنتدى العالمي الرابع لرواد الأعمال والاستثمار:
“يعكس اللون البرتقالي في العديد من الثقافات والعصور الإبداع، والقيادة، والتحول. مثلاً، في الثقافة الهندوسية والبوذية يرتبط بالتحول والقيادة، وفي ثقافة أمريكا الوسطى والجنوبية يحمل أيضًا دلالات مماثلة. كما يوجد في التقاليد اليونانية الرومانية كلون باخوس أو ديونيسوس. عندما فكرنا مع الرئيس دوكي في تمثيل هوية الاقتصاد الإبداعي، وجدنا أن اللون البرتقالي يعكس هذه القيم، وسهل استيعابه من قِبل المبدعين وصانعي السياسات”.
تُقدّر الأمم المتحدة أن الصناعات الثقافية والإبداعية تمثل 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي و6.2% من العمالة عالميًا.
الحجم الاقتصادي للاقتصاد البرتقالي
وفقًا لتقارير الأمم المتحدة وهيئة اليونسكو (2022-2023)، تساهم الصناعات الثقافية والإبداعية ــ الجزء الأساسي من الاقتصاد البرتقالي ــ بحوالي 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتوفر نحو 6.2% من فرص العمل حول العالم، مع تحقيق إيرادات سنوية تقارب 2.3 تريليون دولار. ويُقدّر أن هذا الاقتصاد يخلق أكثر من 30 مليون وظيفة دوليًا. وتتوقع مجموعة العشرين أن تصل مساهمته إلى نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2030. وتشير توقعات شركة Deloitte إلى نمو الصناعات الإبداعية بنسبة تصل إلى 40% خلال نفس الفترة.
ترى منظمة اليونسكو في الاقتصاد البرتقالي محركًا رئيسيًا للنمو الاقتصادي والتنمية الثقافية المستدامة، وتشجع على دمج التكنولوجيا الحديثة وحقوق الملكية الفكرية لضمان استدامة القطاع ودعم العاملين فيه. كما تروج سياسات تدعم الابتكار الثقافي والتبادل الإبداعي بين الدول، مسلطةً الضوء على دوره في التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
من الأحداث العالمية الداعمة لهذا القطاع:
– أول مؤتمر عالمي للاقتصاد الإبداعي عُقد في إندونيسيا عام 2018.
– قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم A/RES/74/198 لعام 2019 أعلن “السنة الدولية للاقتصاد الإبداعي من أجل التنمية المستدامة لعام 2021”. يهدف القرار إلى تعزيز الوعي العالمي بدور الاقتصاد الإبداعي كقوة دافعة لتحقيق التنمية المستدامة، من خلال دعم الابتكار والثقافة والإبداع كعوامل رئيسية للنمو الاقتصادي والاجتماعي المستدام.
يركز القرار على تعزيز السياسات التي تدعم الاقتصاد الإبداعي، وتشجيع التعاون الدولي وتبادل الخبرات، بالإضافة إلى تعزيز الوصول إلى التمويل والأسواق للمبدعين والمبدعات ورواد الأعمال في هذا المجال. كما يدعو القرار الدول الأعضاء، والوكالات المتخصصة، والمنظمات الدولية، والمجتمع المدني إلى اتخاذ إجراءات لتحفيز الاقتصاد الإبداعي وتعزيز مساهمته في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
القرار هو خطوة مهمة لإبراز الاقتصاد البرتقالي أو الاقتصاد الإبداعي كقطاع استراتيجي عالمي يدعم التنمية المستدامة والشاملة.
https://docs.un.org/ar/A/RES/74/198
بعد استعراض تعريف الاقتصاد البرتقالي ومجالاته المتنوعة، أصبح واضحًا أن هذا الاقتصاد يشكل رافدًا حيويًا للنمو الاقتصادي والاجتماعي، من خلال تحويل الأفكار الإبداعية إلى فرص عمل ملموسة ومشاريع ناجحة. تبقى إمكانية الاستفادة من هذا القطاع الواسع متاحة أمام رواد الأعمال والمبدعين على حد سواء، ونحن هنا لنرشدكم إلى خطوات عملية وفرص واقعية لتحقيق ذلك.
تابعوا معنا في المقال الثاني من هذه السلسلة المهمة، حيث سنغوص عميقًا في المجالات الدراسية والتخصصات التي تفتح الأبواب أمام العمل والنجاح في الاقتصاد البرتقالي، مع نصائح عملية لتطوير المهارات التي يحتاجها كل طموح يرغب في خوض هذا المجال الواعد.



