تتحضر مهمة الفضاء اليابانية “هيابوسا2” لمواجهة تحدي غير مسبوق في عام 2031: محاولة الالتقاء مع كويكب صغير بشكل مذهل ويدور حول نفسه بسرعة جنونية. وقد كشفت ملاحظات جديدة أن هذا الهدف أصعب بكثير مما كان يُعتقد سابقًا.
هدف متحرك: كويكب يتحدى التوقعات
الكويكب المستهدف، المسمى 1998 KY26، هو الوجهة النهائية للمرحلة الممتدة من المهمة، بعد نجاحها الساحق في جمع عينات من الكويكب “ريوغو” وإعادتها إلى الأرض عام 2020.
لكن البيانات الحديثة التي جمعتها شبكة عالمية من التلسكوبات، بما فيها التلسكوب الكبير جدًا (VLT) التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي في تشيلي، رسمت صورة مرعبة للمهندسين:
- حجم صادم: يبلغ قطره حوالي 11 مترًا فقط، أي أصغر بثلاث مرات من التقديرات السابقة (~30 مترًا).
- دوران مجنون: يكمل دورة كاملة حول نفسه كل 5.35 دقائق فقط.
هذه المواصفات تحوّل المناورة المخطط لها من مهمة صعبة إلى تحدٍ شبه مستحيل.
التشبيه الأمثل: “تقبيل كرة سريعة الحركة”
يصف المرصد الأوروبي الجنوبي المناورة المطلوبة بمحاولة “قبلة خاطفة” (peck). فجاذبية الكويكب شبه معدومة، ومساحة سطحه صغيرة جدًا، مما لا يترك مجالًا للمناورة المريحة أو للخطأ. محاولة لمس سطحه تشبه محاولة تقبيل كرة تتحرك بسرعة هائلة.
التحديات التقنية هائلة:
- مشكلة الحجم: مركبة “هيابوسا2” نفسها كبيرة نسبيًا مقارنة بالكويكب. الاقتراب والهبوط على جسم بهذا الصغر يتطلب دقة ملاحية غير مسبوقة.
- مشكلة الدوران: السرعة الدورانية العالية تعني أن سطح الكويكب يتحرك بسرعة كبيرة تحت المركبة، مما يجعل عملية جمع العينات أو حتى اللمس الآمن معقدة للغاية.
- طبيعة مجهولة: تشير البيانات الطيفية إلى أن له سطحًا عالي الانعكاسية وتكوينًا غير مألوف. والسؤال الأكبر: هل هو جسم صخري متماسك، أم مجرد “كومة حطام” (rubble pile) متماسكة بضعف بالجاذبية؟ الإجابة ستحدد مدى خطورة التفاعل مع سطحه.
لماذا تخوض “هيابوسا2” هذه المغامرة؟
رغم الصعاب، فإن المهمة تسير وفق مسارها نحو هذا اللقاء الكوني عام 2031، وذلك لعدة أسباب:
- اختبار حدود التكنولوجيا: تمثل هذه المهمة تدريبًا عمليًا غير مسبوق على التعامل مع أجسام صغيرة وسريعة الحركة، ودفع قدرات الملاحة والتحكم الآلي إلى أقصى حدودها.
- خدمة الدفاع الكوكبي: الكويكبات من هذا الحجم (حوالي 10 أمتار) تصطدم بالأرض كل بضعة عقود أو قرون. فهم طبيعتها وسلوكها عن قرب هو خطوة حيوية في حماية الأرض مستقبلًا، حيث يمثل هذا النوع أصعب الأهداف اكتشافًا وتقييمًا في وقت مناسب.
- فرصة علمية فريدة: دراسة كويكب بهذه الخصائص المتطرفة يمكن أن تفتح نافذة جديدة على تكوين النظام الشمسي وطبيعة الأجسام الصغيرة التي تجوب فضائنا القريب.
الخلاصة: رحلة إلى المجهول
ما كان يُخطط له كفصل ختامي مثير لملحمة “هيابوسا2″، تحول إلى أجمل تحدٍ علمي وتقني. سواء نجحت المركبة في “تقبيل” الكويكب الصغير أو اقتصرت على مراقبته عن بُعد، فإن الرحلة ستقدم بيانات لا تقدر بثمار.
سيكون اقتراب “هيابوسا2” من 1998 KY26 اختبارًا حيًا لمبدأ “الاستحالة الهندسية”، وإنجازًا سيدخل تاريخ استكشاف الفضاء إذا ما تحقق، مقدّمًا دروسًا ثمينة ليس فقط لعلم الكويكبات، ولكن لمستقبل الدفاع عن كوكبنا.



