نقطة متفرقات لماذا يماطل الأشخاص المماطلون؟

لماذا يماطل الأشخاص المماطلون؟

تعرّف المماطلة على أنها تأخير أو تأجيل القيام بأمر ما، وكثيراً ما تؤدي إلى عرقلة سير العمل، لذلك ينصح بتجنبها، ولكن هذه النصيحة قد تكون جيدة فقط بالنسبة للأشخاص اللامماطلين، أي أولئك الذين يعتبرون أنفسهم مماطلين لأنهم يتصفحون الفيسبوك عدة مرات في يوم العمل فقط، ويقولون في المقابل لغيرهم “لا تماطل وسيكون كل شيء على ما يرام”.

الشيء الذي لا يفهمه المماطلون المزيفون وغيرهم من الأشخاص غير المماطلين، هو أنه بالنسبة للمماطلين الحقيقين فإن المماطلة ليست أمراً اختيارياً، بل هي شيء لا يعرفون كيف يتوقفون عن فعله.

في الكلية مثلاً، قد تصبح الحرية الشخصية الجامحة المفاجئة كارثة بالنسبة لبعض الأشخاص، ففي تلك الفترة قد لا يكون على الشخص فعل أي شيء، في أي وقت، ولأي سبب كان، والاستثناء الوحيد قد يكون تسليم بعض حلقات البحث من وقت لآخر، وما يحدث للمماطلين في هذه الفترة، هو أنهم يبدؤون بكتابة حلقة البحث في اليوم الذي يسبق يوم التسليم، وذلك حتى يدركوا أنه بإمكانهم القيام بذلك خلال فترة الليل فقط، ومن ثم يدركون بأنهم في الواقع قادرين على البدء بها في وقت مبكر من صباح يوم التسليم، وهذا السلوك قد يتحول ليصبح كارثياً عندما يصبح لديهم فجأة الكثير من الأعمال التي يجب القيام بها ضمن الوقت الضيق الذي حصروا أنفسهم ضمنه، والأمر قد يؤدي لارتفاع نسبة التوتر وينعكس سلباً على صحة الجسم.

أما في الحياة العملية، فقد يستغرق كتابة تقرير بسيط مع الأشخاص المماطلين فترة أطول بكثير مما ينبغي أن يأخذه، فهم غالباً ما ينفقون ساعات على القيام بأشياء ثانوية مثل رؤية صورهم القديمة الموجودة على أجهزة الكمبيوتر، أو قد تجرهم مخيلتهم ويبدؤون بالتفكير بأشياء غريبة والبحث عنها باستخدام غوغل، والقراءة عن ذلك لفترة طويلة من الوقت.

لنفهم السب الذي يجعل المماطلين يماطلون كثيراً، دعونا نبدأ أولاً بفهم أدمغة الأشخاص غير المماطلين.

صانع القرار في أدمغة الأشخاص العاديين يعمل بطريقة منطقية للغاية، فهو يؤدي أعمالاً منطقية، ويفكر على المدى الطويل وبطريقة غير طفولية، وهذا طبيعي إلى حد ما.

حسناً، لنلقي نظرة الآن على أدمغة الأشخاص المماطلين.

هل تلاحظون أي اختلاف، يبدو بأن صانع القرار العقلاني في أدمغة الأشخاص المماطلين يأتي مع حيوان أليف يدعى بقرد الإشباع اللحظي، وهذا قد يكون أمر لا بأس به، أو حتى قد يكون لطيفاً، إذا ما كان صانع القرار العقلاني يعرف كيفية التحكم بهذا القرد، ولكن للأسف، فإن هذا ليس جزءاً من عمل صانع القرار لدى الأشخاص المماطلين، فهو غالباً ما يقف عاجزاً تماماً أمام محاولات القرد لجعل مهمة صانع القرار العقلاني أمراً شبه مستحيل.

 

 

الحقيقة هي، أن قرد الإشباع اللحظي هو آخر مخلوق يجب أن يكون في موقع المسؤولية عن أي قرار، لأنه لا يفكر إلا في الوقت الحاضر، ويتجاهل الدروس التي مرت عليه في الماضي، كما أنه يتجاهل تبعات أفعاله المستقبلية تماماً، فهو لا يهتم سوى بتحقيق أقصى قدر ممكن من متعة اللحظة الراهنة، وهو لا يفهم عقلانية صانع القرار العقلاني أفضل مما يفهمه صانع القرار العقلاني بدوره، فهو لا يفكر إلّا في نفسه، ولسان حال هذا القرد يقول “لماذا نستمر في القيام بالركض ما دام يمكننا التوقف، أيهما سيعطينا الشعور الأفضل، ولماذا نعمل على هذه الآلة طالما أنها ليست ممتعة؟ لماذا نستخدم الكمبيوتر للعمل ما دام هناك العديد الألعاب التي يمكننا أن نتسلى بها؟ إن البشر مجانين حقاً”.

في عالم القردة كل شيء مبرر، فإذا أكلت وأنت جائع، ونمت عندما تشعر بالتعب، ولم تقم بأي شيء صعب، فأنت قرد ناجح جداً، المشكلة لدى المماطل هو أنه يتوجب عليه العيش في عالم البشر، وهذا يجعل من قرد الإشباع اللحظي ملاح غير مؤهل لقيادة السفينة في عالم البشر، وفي الوقت ذاته، يشعر صانع القرار العقلاني بالإحباط، لأنه تدرب لاتخاذ القرارات العقلانية، وليس للتعامل مع منافس غير منضبط (القرد) يزاحمه على القيادة، لذا فإن صانع القرار العقلاني لا يعرف كيف يقوم باستعادة زمام الأمور، وهذا يزيد من شعوره بالسوء حول نفسه.

هذا يؤدي لخلق حالة من الفوضى، ومع وجود قرد يقود دفة الأمور، يجد المماطل نفسه ينفق الكثير من الوقت في مكان يسمى “ملعب الظلام”، وهو مكان يعرفه كل مماطل بشكل جيد، إنه المكان الذي تحدث ضمنه الأنشطة الترفيهية في بعض الأحيان عندما لا يفترض بالأنشطة الترفيهية أن تحدث، فالمتعة التي تكتسبها في ملعب الظلام ليست متعة في الواقع، لأنها لا تمارس في وقتها الصحيح، ولأن جوها يفيض بالشعور بالذنب والقلق وكراهية الذات والرهبة، وعلى الرغم من أن صانع القرار العقلاني يقف أحياناً ويرفض أن يدعك تضيع وقتك في القيام بالأشياء الترفيهية العادية، إلّا أن قرد الإشباع اللحظي لن يدعك تعمل، وبهذا تجد نفسك في مظهر غريب ضمن أنشطة غريبة حيث يفقد الجميع كل شيء.

نظراً لهذا المأزق، كيف يمكن للمماطل إدارة أي شيء على الإطلاق؟ كما يتضح، فإن هناك شيء واحد يخيف قرد الإشباع اللحظي ويجعله يبتعد إلى الوراء، وهو وحش الذعر.

عادة ما يكون وحش الذعر نائماً معظم الوقت، لكنه يستيقظ فجأة عندما يبدأ وقت تسليم المهام بالاقتراب، أو عندما يكون يقترب خطر الوقوع في إحراج عام، أو تدنو لحظة وقوع كارثة وظيفية، أو بعض النتائج المخيفة الأخرى.

 

 

 

عندها يصاب قرد الإشباع اللحظي، الذي يكون عادة غير قابل للتزعزع، بالهلع من وحش الذعر، ويفر بعيداً، وهذا يشرح سبب امتلاك شخص كان غير قادر على كتابة جملة افتتاحية واحدة في حلقة البحث على مدى أسبوعين، لقدرة فجائية على البقاء مستيقظاً طوال الليل، ومحاربة الإرهاق، ليقوم بنجاح بكتابة ثماني صفحات متتالية.

ولكن بالطبع فإن هناك بعض الأشخاص المماطلين الذين لا يستجيبون حتى لوحش الذعر، وينتهي المطاف بصانع القرار لديهم في أكثر الأحيان يائساً وهو يركض ليختبأ خلف الشجرة مع القرد، ويدخل في حالة من الإنغلاق على الذات.

بالطبع، فإن هذه ليست طريقة للعيش، وذلك حتى بالنسبة للمماطلين الذين يتمكنون في نهاية المطاف من إنجاز جميع الأشياء والمحافظة على دورهم الفعال والمنافس في المجتمع، لأن ما يفعلونه هو أمر غير سار، فالكثير جداً من الوقت الثمين للأشخاص المماطلين يتم إنفاقه في ملعب الظلام، هذا الوقت الذي كان يمكنهم إنفاقه في القيام بأشياء ممتعة ومرضية ومستحقة عن جدارة لو كانوا قد اتبعوا جدولاً زمنياً أكثر منطقية، ومن جهة ثانية، فإن الذعر لا يشكل متعة لأي أحد.

في نهاية المطاف سيجد المماطل نفسه وهو يعاني من التقصير، ويفشل في الوصل إلى أعلى مستوى قدراته، مما يتسبب في تآكله مع مرور الوقت لتطغى عليه مشاعر الأسف وكراهية للذات.

قد يساعد وحش الذعر على تحفيزك على إنهاء الأعمال التي يجب القيام بها، ولكنه لا يساعدك بالضرورة على معرفة الأوقات الصحيحة لتمارس ضمنها أعمالط، فحتى ولو كان المماطل ناجحاً في حياته المهنية حيث يكون وحش الذعر موجوداً بشكل منتظم معه، ويساعده على القيام بجميع الأعمال المطلوبة منه في الوقت المطلوب، فإن الأمور الأخرى في الحياة والتي تكون  مهمة بالنسبة له، مثل الاهتمام بشكله، أو الحصول على وجبات طعام صحية، أو تعلم العزف على الغيتار، أو تأليف كتاب، أو قراءة كتاب، أو حتى أخذ خطوة جريئة لتبديل الوظيفة، قد لا تحدث أبداً، وذلك لأن وحش الذعر لا ينخرط عادة في تلك الأشياء، ولكن ما يجب أن نعلمه هو أن مثل هذه الأشياء والخبرات، تجعل حياتنا أكثر ثراءاً، وتجلب لنا الكثير من السعادة، أما بالنسبة لمعظم المماطلين، فإنهم عادة ما يبقون منزوين فوق الرف ليتجمع فوقهم الغبار.