الحياء، هو انقباض النفس وترك الأمور مخافة اللوم أو العيب، وهو خلق يمنع من التقصير في حقوق الآخرين. عند حياء الإنسان، تحدث تغيرات كيميائية وبيولوجية في الجسم نتيجة تفاعل النظام العصبي والجهاز الهرموني. حيث يتفاعل الجهازان العصبي والهرموني معًا لتنظيم وظائف الجسم والحفاظ على توازنه الداخلي. يقوم الجهاز العصبي بنقل الإشارات السريعة والكهربائية، بينما تعمل الهرمونات كرسائل كيميائية بطيئة ولكنها تدوم لفترة أطول، وتؤثر على عمليات مثل النمو، والتمثيل الغذائي، والتكاثر، والاستجابات للتوتر. يعمل الجهازان معًا، حيث يؤثر الجهاز العصبي على إفراز الهرمونات، كما تؤثر الهرمونات بدورها على وظائف الدماغ والسلوك.
عند حدوث واقعة الحياء الانسانى، يرسل الدماغ إشارة إلى الغدد الكظرية لإفراز هرمون الأدرينالين (الإيبينيفرين). هذا الهرمون يُطلق استجابة “القتال أو الفرار”، مما يؤدي إلى تغيرات في الجسم. هذا الأدرينالين يسبب توسع الأوعية الدموية في الوجه والخدين ومناطق أخرى، مما يؤدي إلى احمرارها وظهور الاحمرار المصاحب للحياء نتيجة لزيادة تدفق الدم . كما يُطلق الجسم مواد أخرى مثل السيروتونين التي تؤثر على الحالة المزاجية والجهاز العصبي، مما يساهم في الشعور بالارتباك أو الإحراج. هذه التغيرات الكيميائية والفيزيولوجية هي استجابة طبيعية تعبر عن الشعور بالخجل أو الحياء، وتساعد على التعبير عن الحالة العاطفية بطريقة غير لفظية.
ينقسم الحياء ما بين الصالح (الايجابى) والطالح (السلبى)، الصالح منه هو الممدوح المتزن دون الافراط فيه، فى حين نجد الطالح منه هو المذموم غير المتزن اذا زاد عن حده أو أُسيء فهمه. الحياء الايجابى، يحمي المجتمع من الفواحش والمعاصي، ويزكّي النفس ويطهر القلب، ويعزز العلاقات الاجتماعية، ويساعد على كسب حب الناس واحترامهم. أما الحياء السلبى، قد يمنع الإنسان من التعبير عن رأيه أو طلب حقه، ويؤدي أحيانًا إلى التردد والخجل المفرط، وقد يُفهم بشكل خاطئ ويُظن بأنه ضعف أو خضوع مفرط، وقد يمنع من المبادرة أو التفاعل في بعض المواقف، وقد يشغل جمرة استغلال وطمع الآخرين، وقد يزيد من الأضرار النفسية والاجتماعية، بل وقد ينتهى بصاحبه الى السجن.
الحيوانات بشكل عام لا تمتلك مشاعر الحياء أو الخجل كما يفعل البشر، لأنها لا تمتلك الوعي الكامل أو العقل الذي يمكنها من الشعور بهذه المشاعر. ومع ذلك، بعض الحيوانات قد تظهر سلوكيات تشبه الحياء أو الخجل، مثل الابتعاد أو التراجع عند وجود شخص غريب مثل القطط والأرانب، أو أن تتورد وجوهها مثل القرود والشمبانزى، أو تتوقف عن التصرف عندما تلاحظ أن هناك من يراقبها مثل الطيور عند التزاوج، ولكن هذه التصرفات غالبًا تكون رد فعل غريزي أو طبيعي وليس نتيجة لشعور داخلي بالحياء كما يفهمه الإنسان. وعلى الجانب الأخر وبشكل عام، النباتات لا تستحى ولا تتردد كما يفعل الإنسان أو الحيوانات، ولكن بعض سلوكياتها يمكن أن تفسر على أنها نوع من “الحياء” أو الحذر بشكل مجازي. نبات الماندافيل، يتراجع أو يتلف عند لمسه، كنوع من الحماية، وليس نتيجة شعور بالخجل، وإنما استجابة آلية. وبعض النباتات تتغير ألوانها أو تبرز ألوانًا زاهية لجذب الحشرات أو للدفاع عن نفسها، وليس لأنها تشعر بالخجل. ونبات اللفت الذي يفتح ويغلق أوراقه حسب الضوء أو درجة الحرارة، وهذه استجابات بيوكيميائية وبيولوجية، وليست مشاعر. نفس الحال والسلوك يمكنه أن نطلقه على الكائنات غير الحية، التى يمكن تفسير تأثرها باختلاف درجات الحرارة، بأنه نوع من أنواع الحياء المجازى. وفى كل هذا الحياء المجازى فى المواد والنباتات والحيوانات، حياء ايجابى.
وبكل أسف، ، كثيرا ما يغلب الحياء السلبى الانسانى على نظيره الايجابى، ويسود معه الصراع القابيلى/الهابيلى الذى لم ولن ينتهى أبدأ. فبمجرد سقوط ضحية الحياء المفرط فى مستنقع قابيل، لم ولن تسلم روحها من الازهاق القابيلى. هذا الازهاق الدموى للروح، يجعلها معلقة بين الحياة واللاحياة، بين السماء والأرض، مع انطلاق هدير وزائير دومات وأعاصير شديدة من الألم والندم على كل لحظة حياء عاقت بين الحق وصاحبه. ندم حياء مكتوم بين ضعف الضلوع، وصراخ خجل حزين داخل القلب المكلوم، وصدى قهر شديد فى لمعة العيون على سلب حقوق من كل سارق وخائن للحياء المهدور. بكاء بلا دموع فى عيون الحياء السلبى، ونظرات فرح وسعادة فى وقاحة عيون مغتصبى كل حياء ثمين، وضحكات شيطانية واستغلال طفح كيله وبلغ سيله زباه تملئ نفاق واقع متشدق بقال الله وقال الرسول. استخراج عبثى لكل كلمة من سياقها، وتنفيذا حرفيا لكل آليات قانون ” الغاية تبرر الوسيلة ” . كل هذا قد تصطدم به عند الافراط فى درجة الحياء مع بعض المقربين منك، الذين كنت تتوهم أنهم على نفس الدرجة من الحياء، وأنهم لو كانوا مكانك لازداد حد حيائهم تجاهك. عندئذ، يموت بعض من استحى، فى حين يحيا البعض الأخر “حياة الموتى” فما هم بأحياء وما هم بموتى. وهنا يقول سينيكا، “لا يوجد شيء أكثر قبحًا من الخجل المفرط الذي يمنع الإنسان من فعل الخير”، كما يقول ” الخجل هو عدو الحكمة، لأنه يمنع الإنسان من أن يكون على طبيعته “. وننتهى عند كلمات فريدريك شيلر ” الخجل هو خوف من أن يُنتقد الإنسان، لكنه في الحقيقة يعوقه عن تحقيق ذاته”.



