اللاشعور، كما يرى سيغموند فرويد، لا يعرف الزمن والنفى، وأنه جزء غير واعٍ من النفس يحتوي على رغبات، ذكريات، وصراعات غير مدركة، لكنه يؤثر بشكل كبير على السلوك والأفكار والمشاعر الواعية. فرويد اعتبر أن معظم العمليات النفسية تحدث في اللاشعور، وأنه يحمل الرغبات المكبوتة والصراعات التي لا يقدر الشخص على الاعتراف بها بشكل مباشر، والتى تلعب دورًا هامًا في تشكيل الشخصية وسلوكها. على الرغم من أن فرويد لم يكن عالم كيمياء بشكل مباشر، إلا أن أفكاره عن اللاشعور تتقاطع مع مفاهيم علم الأعصاب والكيمياء العصبية، من حيث أن العمليات الكيميائية في الدماغ تؤثر على الحالة النفسية، وتساهم في تكوين اللاشعور أو استثارته.
بعد فرويد، شهد العلم تقدمًا كبيرًا في فهم تركيب ووظائف الدماغ. حيث تم اكتشاف نواقل الأعصاب (الناقلات العصبية) مثل السيروتونين، الدوبامين، والنورإبينفرين، التي تلعب دورًا رئيسيًا في تنظيم المزاج، الانتباه، الانفعالات، والسلوكيات. هذه الناقلات تؤثر بشكل مباشر على الحالة النفسية، وتعمل كوسائط كيميائية تنقل الإشارات بين خلايا الدماغ. هناك أكثر من 100 ناقل عصبي طبيعي، منها الدوبامين (C₈H₁₁NO₂)، السيروتونين (C₁₀H₁₂N₂O) ، الفازوبريسين (C₄₆H₆₅N₁₃O₁₂S₂)، الأوكسيتوسين(C₄₃H₆₆N₁₂O₁₂S₂) ، الأسيتيل كولين (C₇H₁₆NO₂)، النورإبينفرين (C₈H₁₁NO₃)، الأدرينالين (C₉H₁₃NO₃)، والكورتيزول(C₂₁H₃₀O₅) .
تُشير الأبحاث الحديثة إلى أن الكثير من العمليات التي كانت تعتبر سابقًا من صلب اللاشعور، مثل الاستجابات العاطفية والتفاعلات غير الواعية، لها أساس بيولوجي كيميائي. على سبيل المثال، اضطرابات المزاج مثل الاكتئاب والقلق ترتبط بشكل واضح بتغير مستويات نواقل الأعصاب، مما يوضح كيف أن التفاعلات الكيميائية يمكن أن تؤثر على محتوى اللاواعي. يُسبب ارتفاع الأدرينالين القلق، واضطراب الوسواس القهري، واضطراب ما بعد الصدمة، وغيرها من الاضطرابات المرتبطة بجنون العظمة/الخوف ، بينما قد يُرتبط ارتفاع الدوبامين بالفصام. كما يُمكن أن يُرتبط انخفاض الدوبامين والأوكسيتوسين بالقلق، بالإضافة إلى الاكتئاب.
كما اهتم علم الأعصاب المعرفي بدراسة العمليات الدماغية التي تحدث دون وعينا، ويبحث في كيفية تأثير النشاط العصبي والكيميائي على الإدراك والوعي واللاوعي. وأظهرت الدراسات أن بعض العمليات اللاواعية، كاستجابة الخوف أو الاستجابة للتحفيزات، تعتمد على أنماط معينة من النشاط الكيماوي في الدماغ. وعلى الجانب الأخر عملت الأدوية النفسية، مثل مضادات الاكتئاب، على تعديل توازن النواقل العصبية، الأمر الذى أكد على العلاقة الوثيقة بين الكيمياء العصبية والحالات النفسية اللاواعية. هذا يعزز الفكرة أن العمليات اللاواعية ليست مجرد قوى غير مرئية، بل هي نتاج تفاعلات كيماوية قابلة للتعديل والتغيير.
وفى هذا الصدد، أكد عالم النفس البريطاني “بيتر فوناجي” على : أن ما يستطيع البحث العلمي المشترك بين مختلف التخصصات مثل علم الأعصاب والتحليل النفسي، فعله هو شرح وتفصيل الآليات العقلية التي تعمل على إنتاج الظواهر التي تصفها كتابات التحليل النفسي؛ أي رؤية الظواهر النفسية في مرآة علم الأعصاب .هذا العلم المرتبط ارتباطا وثيقا بعلم الكيمياء، والذى ينبث منه فرع يُسمى الكيمياء العصبية التى تدرس المواد الكيميائية في الجهاز العصبي وتأثيرها على وظائف الدماغ والسلوك.



