فى عالم صغير ومليء بالأسرار، كانت هناك قطعة صغيرة من الجرافيت (C)، تعيش في عمق الأرض، وتنتظر فرصة لتُبرز جمالها. ذات يوم، قرر الإنسان أن يصنع أداة تساعده على التعبير عن أفكاره، فبحث بين الصخور والمعادن عن مواد مناسبة.
وجد الانسان الجرافيت الذى يوجد بشكل طبيعي كمادة سوداء لامعة فى الصخور، كانت تستخدم منذ القدم في الكتابة. والذى هو نوع من أنواع المعادن التي تتكون في البنية الصخرية، ويُعتبر من المعادن الكربونية. حيث يتشكل الجرافيت عادة في الصخور المتحولة، مثل الصخور المتحولة التي تتعرض لضغط وحرارة عالية، مما يحول الكربون الموجود فيها إلى الجرافيت ذا الخصائص الفريدة التى تسمح بكتابة خطوط داكنة وسهلة المسح، نتيجة لتكوينه من طبقات من ذرات الكربون المرتبطة في بنية سداسية، سمحت لجزيئاته بالانزلاق فوق بعضها البعض. كما عثر الانسان أيضا على الكاولين الذى هو نوع من أنواع الطين الأبيض الطبيعي، والذى يُعرف باسم “طين الصين” لأنه يُستخدم بشكل رئيسي في صناعة الخزف والفخار الصيني التقليدي. الكاولين المعروف بسيليكات الألومنيوم المائية، يُعتبر مادة معدنية تتكون أساسًا من معدن الكاولينيت.
جمع الإنسان بعض الكاولين، ودمج معه بعض الجرافيت. بعد ذلك، قام بتشكيل الخليط الأسود من الكاولين والجرافيت، ولفه بدقة ليصبح أنبوبًا رفيعًا، ثم أضاف غطاءً من الخشب ليحمي المادة السوداء، ويجعل من السهل الإمساك به كقلم رصاص. قلم رصاص، على الرغم من اسمه، لا يحتوي هذا القلم على مادة الرصاص السامة، وإنما سُمي بهذا الاسم بسبب اعتقاد خاطئ في الماضي بأن المادة المستخدمة في صناعته هي الرصاص. لأنه عند اكتشاف الجرافيت بكميات كبيرة في إنجلترا في القرن السادس عشر، اعتقد العلماء أنه نوع من الرصاص بسبب مظهره الداكن، وأطلقوا عليه اسم “plumbago” ( باللاتينية “الرصاص الأسود” ). كما اخترع العالم نيكولاس جاك كونتى أول قلم رصاص حديث في عام 1795.
يُخلط الكاولين مع الجرافيت بنسب معينة، بهدف تحسين تركيب المادة السوداء، ومنحها القوة والمرونة اللازمة للكتابة بسهولة دون أن تنكسر، مع جعلها أكثر أمانًا وراحة عند الاستخدام، ولتقليل عتمة لونها الأسود. كما أن كمية طين الكاولين هي التي تُحدد جودة القلم الرصاص، فكلما زادت نسبته أصبح القلم أصلب وترك خطًا باهتًا. وكلما قلت نسبته وزادت نسبة الجرافيت أصبح القلم أنعم وترك خطًا أغمق وأعمق.
ومن هنا، جاء اختيار القلم الرصاص المناسب حسب الحاجة طبقا لبعض الحروف أو الرموز والأرقام المدونه على الغطاء الخشبى له، والتى تشير الى درجة النعومة أو الصلابة. ومن هذه الرموز الحرف (H = Hard) الذى يعني أن الرصاص صلب وناعماً، ويترك خطًا خفيفًا وأفتح. وكلما زاد الرقم قبل الحرف (H)، زادت صلابة الرصاص، ويستخدم عادة للخطوط الدقيقة أو للتظليل الخفيف. والحرف (B= Black) الذى يعني أن الرصاص أغمق وألطف، ويترك خطًا أغمق وأسمك. وكلما زاد الرقم قبل الحرف (B)، زادت لزوجة الرصاص ونعومته، ويستخدم للتظليل والرسم الفني . فى حين يدل دمج الحرفين (HB) على التوازن بين الصلابة والنعومة، وهو مناسب للرسم العام والكتابة، ويعتبر متوسطًا بين كل من (B & H ). أما دمج الحرف والرقم مثل (2H) يعنى أنه أكثر صلابة من (HB)، ويترك خطًا خفيفًا جدًا، ويُستخدم في الرسومات الهندسية والتفاصيل الدقيقة. فى حين نجد أن (2B) أكثر نعومة وسوادًا من (HB)، ويترك خطًا أغمق وأسمك، ويُستخدم في التظليل والرسوم الفنية.
قلم رصاص بسيط لكنه سحري، يمكنه أن يخطّ الأفكار، يرسم الأحلام، ويخلد اللحظات. وهكذا، أصبح القلم الرصاص وسيلة الإنسان للتعبير عن نفسه، من خلال قطعة صغيرة من الجرافيت/الكاولين والخشب، التي تحمل في طيّاتها عالماً من الإبداع والخيال.



