ظاهرة سراب الحق

البروفيسور " نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

الحق والباطل مفهومان أساسيان في حياة الإنسان، يحددان طريقه في المعرفة والأخلاق والسلوك، كما يمكن قراءتهما فى ظاهرة السراب. الحق هو الحقيقة الثابتة والعدل والخطوط المستقيمة لضوء الحياة، وهو ما يتفق مع الواقع والمنطق، بينما الباطل هو الزيف والظلم والخداع والخطوط المنحرفة او المنكسرة لضوء الحياة، وهو ما يخالف الحقيقة ويضلل الناس. السراب هو أحد الظواهر الطبيعية التي تظهر بشكل غامض ومثير للدهشة، كثيرًا ما يُرى في المناطق الصحراوية أو الطرق الحارة، حيث يبدو كأنه ماء أو أشياء عائمة على سطح الأرض، وهو في الحقيقة مجرد خداع بصري يسببه انكسار الضوء. يُعد السراب مثالًا حيًا على التداخل بين الحق والباطل، حيث يكشف العلم الحقيقة، بينما يُحاول البعض تصديقه أو تفسيره بشكل خاطئ.

السراب هو ظاهرة بصرية ناجمة عن انكسار الضوء نتيجة تغير درجات الحرارة وخصائص الهواء في المناطق ذات الحرارة الشديدة. عندما تكون الأرض أو الطريق حارًا، يكون الهواء فوقه غير متجانس، إذ يوجد طبقات من الهواء ذات كثافات مختلفة، حيث يكون الهواء الأقرب إلى سطح الأرض أكثر دفئًا وأقل كثافة، بينما الهواء في الأعلى أدفأ وأقل كثافة. عند مرور أشعة الضوء من طبقة إلى أخرى ذات كثافات مختلفة، ينكسر الضوء بانحراف مساره المستقيم ليتجه بشكل مائل أكثر نحو الأرض. هذا الانحراف يؤدي إلى تشويه الصورة أو خلق وهم بوجود ماء أو أشياء أخرى على سطح الطريق، كما يؤثر  على الظواهر السماوية مثل رؤيتنا للنجوم والكواكب في السماء.

وفى هذا السياق، نرى أن الباطل  عبارة عن تغير مسار أشعة ضوء الحياة الطبيعية، بحيث يصحبه انحراف عن مساره المستقيم، ويتجه بشكل مائل أكثر نحو هوى النفس الأثمة. هذه النفس التى لا تستحى من مخالفة الحق و ارتكاب الفحشاء والمنكر قولا وفعلا. من يعتنق الباطل يضل الطريق، ويبتعد عن الحق، نتيجة لانحراف مسار ضوء حياته المظلمة المنتهية بالهلاك في الدنيا والآخرة.

مقومات الباطل الأسود، تزج بصاحبها زجا فى مستنقع الصور المشوهه، حيث يرى كل باطل حق، وكل حق باطل.  عندما يمرض القلب، ويسود هوى النفس، ويسيطر جنون العظمة والغرور على العقل، وينعدم الضمير، تتغير درجات حرارة وخصائص حياة الانسان. عندئذ، يكون هواء حياة هذا الانسان غير متجانس إذ يوجد طبقات من هذا الهواء ذات كثافات مختلفة. عند مرور أشعة ضوء الحق والتقاليد والأعراف والمبادىء الأصيلة، من طبقة إلى أخرى مختلفة فى كثافتها ودرجة حرارتها، ينكسر هذا الضوء بانحراف مساره المستقيم ليتجه بشكل مائل أكثر نحو الباطل والغايات التى تبرر وسائلها. هذا الانحراف يؤدي إلى عدم اتزان كيميائى وبيئى، والى صور حياتية وهمية ومشوهة، والى السير فى الدرب القابيلى.  

سراب الحق، يكمن في التصديق بالأوهام أو المفاهيم المغلوطة التي تضلل الانسان عن الحق والحقيقة. تصديق حقيقى أو غير حقيقى، ولكنها سباحة وتسبيح بالظواهر التى تبدو غامة أو غير منطقية. ومع ذلك، يتآزر أهل الباطل، بالصمت الصامت عن النطق بالحق، أو باصطناع حقهم المزعوم. وحالهم فى هذا جاء وصفه فى القرأن الكريم فى سورة البقرة فى قوله تعالى: ” وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16(  “

شارك المقالة
** أستاذ المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى / مصر ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** تعد كل مقالاتى وأبحاثى وكل ما حصلت عليه من براءات اختراع ، صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والأدبى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51