شعور الشخص بالسعادة لا يعني كونه سعيداً

فريق التحرير

تصنف السعادة عادةً كحالة مزاجية لا يمكن قياسها بمعيار موضوعي، وغالباً ما يربط الأشخاص بين الشعور بالسعادة وكون الشخص سعيداً، فإذا كان الشخص يشعر بالسعادة، فهو إذاً سعيد، أما إذا لم يكن يشعر بالسعادة، فهو غير سعيد، ولكن ربما لا يكون الموضوع بهذه السهولة، فهناك طرق أخرى لفهم السعادة، فمثلا، من الممكن أن يخطأ الشخص في تحديد حالته الصحية بناءً على ما يشعر به، فقد يشعر الانسان أنه في أحسن حالاته، وهو في الحقيقة على أبواب الموت، وعلى أرض الواقع يوجد الكثير من الأشخاص الذين يقومون بإجراء تحاليل دم دورية دون أن يعلموا أن نتيجة هذه التحاليل ستكون سيئة.

من هنا نستطيع القول إنه من الممكن أن يكون شخص ما على مخطئاً في تشخيص حالته الصحية، ولذلك هناك فرق بين شعور الشخص بأنه بصحة جيدة وكونه فعلاً بصحة جيدة، ولكن هل يمكن تطبيق النظرية ذاتها على مفهوم السعادة؟ بمعنى هل يمكن أن نقول إن هنالك فرق بين شعور الانسان بالسعادة وكونه سعيداً حقاً؟

تعتمد الإجابة على هذا السؤال على التعريف الأولي للسعادة، تماماً كما تعتمد معرفة إذا كان الشخص ما بصحة جيدة على تعريف الصحة، فقبل ظهور الطب الحديث، كان هناك إنتشار كبير للعديد من الحالات المرضية التي اعتبرت بأنها غير قابلة للشفاء وأصبحت الآن من الحالات السهلة والبسيطة، وما كان يعتبر يوماً بأنه المعيار الصحي للأشخاص الذين يبلغون أربعين عاماً أصبح الأن المعيار الصحي للأشخاص الذين يبلغون الستين من العمر، وبشكل مماثل فإذا ما اعتبرنا أن السعادة هي عبارة عن حالة مزاجية ليس إلّا، يجب ان نقر بأن المعلومات التي نملكها عن السعادة، هي المعلومات التي يفيدنا بها الأشخاص، لذا فنحن نعتمد المعيار الذي يقول أن شعور الشخص بالسعادة يعني كونه سعيداً، وبهذا يكون تعريف السعادة راجع لكل فرد بشخصه، لكن هذا المفهوم للسعادة خالي من المحتوى، كونه يعتبر أن كل ما يعزز من مزاج الشخص يمكن اعتباره كمصدر للسعادة، وقد يكون ذلك متمثلاً بالنجاح، أو بالمتعة الجسدية، أو بالحصول على الشهرة، أو حتى بتعاطي المخدرات.

لذا يجب علينا ان نأخذ جميع الاحتمالات بعين الاعتبار للوصول الى معنى السعادة الموضوعي لا الشخصي، فكما أن ممارسة الرياضة تفيد الصحة، إلّا أن الكثير منها يمكن أن يقتل، وكما أن تناول الطعام ضروري للحفاظ على الحياة، إلا هناك بعض الأطعمة التي يجب أن لا تُأكل أو يجب أن تُأكل باعتدال، وبشكل مماثل، هناك أشياء تبعث على الشعور بالسعادة ولكن قد تؤدي في نهاية المطاف إلى حالة من التعاسة.

السعادة مثل الصحة، كلاهما يجب أن يتم فهمهما ضمن سياقهما، فتماماً كما يجب أخذ عمر الشخص بعين الاعتبار للحكم على حالته الصحية، كذلك يجب أخذ المستقبل بعين الاعتبار من أجل تحديد حالة السعادة الحقيقية، واعتماداً على ذلك يمكن تعريف السعادة على أنها عبارة عن تجربة فردية ولكن مع الأخذ بعين الاعتبار بأنه ليس كل ما يُشعر الشخص بالسعادة يمكن أن يجعله سعيداً مدى الحياة، فمن الممكن أن يشعر الإنسان بالسعادة لعدة دقائق ولكن ليس بالضرورة أن يتسبب هذا بجعله سعيداً بشكل عام، كما يمكن أيضاً عكس الحالة، فعلى سبيل المثال، فإن خسارة أحد الأحباء تجعل المرء يشعر بالتعاسة، ولكن هذا لا يمنع من أن إعادة تذكّر بعض الأحداث الجميلة مع الشخص المتوفى، قد تجعل الانسان يشعر بالسعادة، كما يجب علينا الأخذ بعين الاعتبار بأنه على الرغم من أن السعادة هي ذات منشأ داخلي، إلّا أن مصدرها هو ذو منشأ خارجي، كالسعادة التي تنتابنا الناجمة عن العلاقات الاجتماعية أو العائلية أو حتى عن النجاح في العمل.

في النهاية لا يمكن أن نحدد بالفعل إن كان مفهوم السعادة هو مفهوم شخصي أم موضوعي، كما لا يمكن تحديد منشأ السعادة من حيث كونها داخلية المنشأ تماماً أو أن هناك عوامل خارجية تؤثر عليها حتماً، ويمكننا القول ان السعادة هي مفهوم يقع ما بين الذاتية و الموضوعية، فلا أحد يمكنه أن يجعل شخص ما سعيداً من دون موافقته، كما أنه لا يمكن لأحد أن يكون سعيداً إن لم يكون موجوداً في جو يساعده على الشعور بالسعادة، إضافةً إلى أنه من المهم أن يشعر الإنسان بالسعادة ولكن يجب عليه في المقابل أن يدرك أن تلك المشاعر عابرة، تماماً مثل الحالة الصحية، حيث يجب على المرء على سبيل المثال أن يأكل السبانخ لأنها تجعل صحته أفضل على المدى البعيد، ولكن لا ضير من تناول قطعة صغيرة من الحلوى في فترات متقطعة على الرغم من أنها لا تقدم أي إفادة حقيقية للجسم على المدى الطويل.

المقالة الأصلية


شارك المقالة