شريحة دماغية أصغر من حبة الملح تنقل البيانات باستخدام الليزر وتقنيات الأقمار الاصطناعية

عبد الكريم عوير
شريحة دماغية

مقدمة: في تقدم يُعد نقلة نوعية في مجال الواجهات العصبية، تمكن باحثون من تطوير أصغر غرسة دماغية قابلة للعمل على الإطلاق. تعمل هذه الغرسة الدقيقة، التي لا يتجاوز حجمها حبة الملح، بالكامل عن طريق الضوء، مما يمهد الطرق لمراقبة طويلة الأمد ونوعية للنشاط الدماغي بأقل قدر من التدخل.


يمضي البحث العلمي بخطى ثابتة نحو تحويل أفلام الخيال العلمي إلى حقائق ملموسة. فقد دخلت الغرسات العصبية – تلك الأجهزة الدقيقة التي تقرأ أو تحفز النشاط الدماغي – مرحلة التجارب السريرية على البشر، مُظهرة الإمكانات الهائلة عند تقاطع التكنولوجيا مع علم الأعصاب. بينما أثبتت النتائج الأولية جدوى المبدأ، فإن السباق الآن محتدم لجعل هذه الأنظمة أصغر حجماً وأكثر أماناً وموثوقية.

يتطلع المطورون والمؤسسات البحثية إلى أهداف طموحة، تتراوح بين التحكم في الحواسيب والأطراف الاصطناعية بواسطة الفكر فقط، إلى استعادة الحركة بعد الشلل ومراقبة الاضطرابات العصبية في الوقت الفعلي.

في خطوة كبيرة نحو هذا الهدف، ابتكر باحثون من جامعة كورنيل غرسة عصبية أصغر من حبة الملح يمكنها نقل الإشارات لاسلكياً من داخل الدماغ. تُظهر النتائج، التي نُشرت في مجلة Nature Electronics، أن هذه الغرسة الدقيقة التقطت وأرسلت بيانات نظيفة وغير منقطعة من أدمغة فئران سليمة لأكثر من عام كامل.

تُعد هذه أصغر غرسة عصبية عاملة على الإطلاق، مما يثبت إمكانية تصغير التكنولوجيا المتقدمة إلى مستوى كان يُعتقد في الماضي أنه مستحيل. قياس النشاط الدماغي على المستوى الخلوي بأقل قدر من التطفل قد يفتح نوافذ جديدة تماماً لفهم كيفية نمو الكائنات الحية وتكيفها وتدهورها مع الزمن.

طاقة من حزم ليزرية
واجهت فكرة مراقبة الدماغ في الوقت الحقيقي تحدي المقياس دوماً. حتى أغرسة الأسلاك الأرفع يمكن أن تهيج الأنسجة المحيطة مع تحرك الدماغ الطفيف في كل نبضة قلب أو نفس، مما قد يؤدي إلى التهاب وتندب يحد من فترة عمل الجهاز.

لتجنب ذلك، اتجه العلماء نحو أنظمة لاسلكية خالية من الربط المادي. يمكن نقل الطاقة والبيانات عبر الموجات الراديوية أو الموجات فوق الصوتية أو الضوء، ولكل طريقة مقايضاتها الخاصة في السلامة والدقة وكفاءة الطاقة.

بعد دراسة الخيارات، صمم فريق كورنيل ما أطلقوا عليه اسم القطب الكهربائي الضوئي الدقيق غير المربوط (MOTE)، والذي يعمل بالكامل بواسطة الضوء. يمكن لحزم ليزرية من الضوء الأحمر وتحت الأحمر اختراق الجمجمة وأنسجة الدماغ بأمان لتوصيل الطاقة. في المقابل، يستخدم الجهاز ضوء تحت الأحمر لإرسال تسجيلات النشاط الدماغي إلى الخارج.

تجارب ناجحة على الفئران لمدة عام
يعتمد النظام على الضوء للطاقة والاتصال معاً. كما وُضح في بيان صحفي، فإن ثنائياً شبه موصل مصنوعاً من أرسنيد غاليوم الألومنيوم يلتقط الضوء الوارد لتشغيل الدائرة ثم يُصدر ضوء تحت الأحمر لإرسال البيانات. ويتولى مضخم للإشارة مُصنّف ضوئي، مطابق لتقنية أشباه الموصلات الموجودة في الرقائق الدقيقة اليومية، معالجة الإشارة.

والنتيجة هي غرسة كاملة الوظائف يبلغ طولها 300 ميكرون وعرضها 70 ميكرون فقط (الميكرون = جزء من مليون من المتر).

اختبر الفريق الغرسة أولاً في مزارع خلوية، ثم قاموا بزرعها في القشرة البرميلية لأدمغة الفئران – وهي المنطقة المسؤولة عن معالجة المدخلات الحسية من الشوارب. وعلى مدار عام كامل، تتبعت الغرسة الدقيقة كل شيء بدءاً من إطلاق الخلايا العصبية الفردية ووصولاً إلى موجات النشاط الدماغي الأوسع، بينما ظلت الفئران في صحة جودة وتمارس سلوكها الطبيعي.

تعليق الباحث الرئيسي
قال أليوشا مولنار، الأستاذ بجامعة كورنيل والمشارك في الدراسة: “على حد علمنا، هذه هي أصغر غرسة عصبية ستقيس النشاط الكهربائي في الدماغ ثم تُبلغ عنه لاسلكياً. باستخدام تعديل موضع النبض للتشفير – وهو نفس الترميز المستخدم في الاتصالات الضوئية للأقمار الاصطناعية على سبيل المثال – يمكننا استخدام طاقة قليلة جداً للتواصل ونقل البيانات بنجاح عن طريق الضوء”.

يعتقد مولنار وفريقه أن التركيب المادي للغرسة (MOTE) قد يسمح يوماً ما بجمع بيانات الدماغ حتى أثناء إجراء فحوصات الرنين المغناطيسي، وهو أمر غير ممكن حالياً مع معظم الغرسات.

آفاق مستقبلية واسعة
تتجاوز تطبيقات هذا الابتكار علم الأعصاب لوحده. فتصاميم مشابهة يمكن استخدامها لدراسة أنسجة أخرى، مثل الحبل الشوكي، أو حتى دمجها في صفائح الجمجمة الاصطناعية لإنشاء واجهات عصبية متكاملة تماماً وطويلة الأمد، مما يفتح آفاقاً جديدة في الطب التعويضي ودراسة الجهاز العصبي.


شارك المقالة
متابعة:
مؤسس مجلة نقطة العلمية و رئيس تحريرها