في دراسة حديثة تثير قلقاً بالغاً في الأوساط الطبية والبيئية، كشف باحثون عن وجود جزيئات بلاستيكية دقيقة (Microplastics) في الغالبية العظمى من عينات أنسجة سرطان البروستاتا التي تم فحصها. تسلط هذه النتائج الضوء على مدى تغلغل التلوث البلاستيكي في الأعضاء الحيوية للإنسان، وما قد يترتب عليه من تداعيات صحية طويلة الأمد.
تفاصيل الدراسة والنتائج المخبرية
أجرى الفريق البحثي تحليلاً كيميائياً دقيقاً لعينات مأخوذة من خزعات (Biopsies) لمرضى يعانون من سرطان البروستاتا. وأظهرت النتائج أن 90% من العينات تحتوي على جزيئات بلاستيكية مجهرية. وتعد هذه الدراسة امتداداً لأبحاث سابقة رصدت هذه الجزيئات في الدم، والرئتين، والمشيمة، وحتى الأنسجة الخصوية، مما يشير إلى أن التلوث باللدائن أصبح “ظاهرة جهازية” داخل جسم الإنسان.
أبرز أنواع البلاستيك المرصودة:
- البولي إيثيلين (Polyethylene): وهو النوع الأكثر شيوعاً عالمياً، ويستخدم بكثافة في صناعة الأكياس البلاستيكية والعبوات.
- بولي فينيل كلوريد (PVC): الذي يستخدم في أنابيب المياه، والمعدات الطبية، ومواد البناء، ويُعرف بكونه مادة صلبة ترتبط غالباً بإضافات كيميائية قد تكون سامة.
الآلية الحيوية والتأثيرات المحتملة
يشير العلماء إلى أن هذه الجزيئات تدخل جسم الإنسان عبر مسارين رئيسيين: الاستنشاق (عن طريق الهواء الملوث بآثار الألياف الصناعية) والابتلاع (عن طريق الأغذية والمياه الملوثة، خاصة تلك المحفوظة في أوعية بلاستيكية).
المخاطر الفسيولوجية المحتملة:
- الإجهاد التأكسدي: قد تؤدي هذه الجزيئات الغريبة إلى تحفيز إنتاج الجذور الحرة، مما يسبب ضرراً خلوياً.
- الالتهابات المزمنة: وجود أجسام غير قابلة للتحلل داخل النسيج البروستاتي قد يؤدي إلى استجابة مناعية مستمرة، وهو بيئة محفزة لتطور الأورام.
- تعطيل الغدد الصماء: تحتوي العديد من اللدائن على مواد كيميائية مثل “الفثالات” و”Bisphenol A”، والتي تعمل كمعطلات للهرمونات، مما قد يلعب دوراً في نمو السرطانات المرتبطة بالهرمونات مثل سرطان البروستاتا.
السياق العلمي والأهمية
تأتي هذه الدراسة في وقت يتزايد فيه الإنتاج العالمي للبلاستيك بشكل مطرد، حيث يتفتت البلاستيك مع مرور الوقت إلى جزيئات مجهرية (أصغر من 5 ملم) وحتى جزيئات نانوية (Nanoplastics) قادرة على اختراق أغشية الخلايا.
يؤكد الباحثون أن رصد هذه المواد في الأنسجة السرطانية لا يعني بالضرورة أنها “المسبب الوحيد” للسرطان، لكنه يطرح تساؤلات جوهرية حول دور هذه الملوثات في تسريع وتيرة نمو الأورام أو التأثير على كفاءة العلاجات الكيميائية والإشعاعية.
الخاتمة والتوصيات
تفتح هذه النتائج باباً جديداً في علم السموم البيئية وعلم الأورام. ويوصي الخبراء بضرورة إجراء دراسات وبائية أوسع لفهم الرابط المباشر بين تركيز اللدائن الدقيقة في الجسم ومعدلات الإصابة بالسرطان. كما تشدد الدراسة على أهمية الحد من الاعتماد على البلاستيك أحادي الاستخدام وتطوير تقنيات جديدة لترشيح المياه والهواء للحد من التعرض البشري لهذه الجسيمات الغازية.
المصطلحات العلمية الواردة:
- Microplastics: جزيئات بلاستيكية دقيقة (لدائن دقيقة).
- Prostate Biopsy: خزعة البروستاتا.
- Oxidative Stress: الإجهاد التأكسدي.
- Endocrine Disruptors: معطلات الغدد الصماء.
- Systemic Circulation: الدورة الدموية الجهازية.



