بعيدا عن المفهوم التقليدى للذكاء، وبعيدا عن أنواعه المختلفة ودرجاته المتدرجة، وجدتنى أبحث بحب وشغف عن مدى امكانية وجود هذا الذكاء فى المواد والجوامد. استوقفنى الأمر كثيرا، خصوصا وأننا جميعا نؤمن بأن مفهوم الذكاء يرتبط بمدى الوعى والادراك المنبثق من القدرات العقلية للكائن الحى. حيرة شديدة تفرض نفسها بين المعقول واللامعقول، وشتات عقلى ونفسى يسلك دروب مظلمة من الواقع والخيال، عند تناول موضوع يتعلق بذكاء المواد!!!!.
وبعد الفحص والتمحيض فى طيات مفهوم الذكاء، وجدت فرعا هاما من فروعه المتعددة، فرعا اهتم اهتماما كبير بمدى تفاعل الشئ مع البيئة والظروف المحيطة. ومن هنا، يمكن لنا أن نرسخ لمفهوم ذكاء المواد الذى يعبّر عن قدرة بعض المواد على التفاعل مع بيئتها أو مع الظروف المحيطة بها بطريقة ذكية وذاتية التكيف، دون تدخل بشري مباشر. يُطلق على هذه المواد أحيانًا “المواد الذكية” أو “المواد التكيفية”، وهي تتضمن تقنيات وخصائص تجعلها تستجيب بشكل ذكي لمؤثرات مثل الحرارة، والضغط، والإشعاع، والكهرباء. مفاد هذا، أن ذكاء المادة عبارة عن قدرتها على استشعار التغييرات في بيئتها، والتفاعل معها بطريقة تتناسب مع الظروف، بهدف تحسين أدائها أو تحقيق وظائف معينة بشكل ذاتي. يمكن أن تتضمن هذه الوظائف تغييرات في الشكل، أو اللون، أو الخصائص الميكانيكية، أو الكهربائية، أو الكيميائية.
انه الذكاء التكيفى الأكثر تواجدا فى المواد، الذى يمكنها أن تصبح أنظمة ذكية ومرنة، ومن ثم يقلل من الحاجة للصيانة، ويطيل عمر المنتجات، ويساعد على الابتكار في مجالات متعددة، من الطب إلى الإلكترونيات والهندسة. ويتضح جليا هذا الذكاء فى المواد ذات الذاكرة الشكلية هي مواد تستطيع أن تعود إلى شكلها الأصلي بعد أن تتعرض لتشوه عند تعرضها لحرارة أو ضغط معين. على سبيل المثال، سبائك النيكل، التي تعود إلى شكلها الأصلي بعد التغيير، وتستخدم في الأجهزة الطبية مثل القساطر الجراحية. ونرى أثره فى المواد المستجيبة للحرارة، التى تتغير خصائصها عند تغير درجة الحرارة. مثال ذلك، الأقمشة التي تتغير من الحالة الصلبة إلى السائلة أو العكس، أو المواد التي تتغير لونها عند ارتفاع درجة الحرارة. ونراه جيدا فى المواد المستجيبة للأشعة، التى تتفاعل مع الضوء، مثل المواد التي تتغير لونها عند التعرض للأشعة فوق البنفسجية، وتستخدم في تطبيقات مثل صناعة الشاشات أو الأقمشة الذكية. هذا بالاضافة الى المواد الذكية في الهندسة والبناء، التى تستخدم في إصلاح الهياكل أو الحماية من الزلازل، حيث تتفاعل مع الاهتزازات أو الضغوط بشكل يقاوم الضرر ويصلح نفسه تلقائيًا.
ساهمت المواد بذكائها فى الكثير من تطبيقات المجالات المختلفة، فى الطب، في الأجهزة الطبية القابلة للتكيف، مثل الأطراف الصناعية التي تتغير حسب الحاجة. وفى الفضاء، في المواد التي تتكيف مع الظروف القاسية، مثل درجات الحرارة أو الضغط. وفى الصناعات العسكرية، في الدروع القابلة للتكيف أو المواد التي تتغير خصائصها لحماية الأفراد. وفى الملابس والنسيج، في صناعة الأقمشة الذكية التي تتغير بحسب درجة الحرارة أو الرطوبة.
ذكاء المواد هو مجال يتطور بسرعة، ويعكس تقدم فهمنا للمواد وسعينا إلى دمج الذكاء في بنية المادة نفسها. إنه يمثل خطوة نحو عالم أكثر تكيفًا وذكاءً، حيث تصبح المادة نفسها عنصراً فاعلاً وليس مجرد وسيطًا، وتساهم في ابتكار تقنيات أكثر مرونة وفعالية.



