نقطة متفرقات حفرة مائية عملاقة تكشف السر وراء سقوط حضارة المايا

حفرة مائية عملاقة تكشف السر وراء سقوط حضارة المايا

تبعاً لدراسة جديدة، فإنه قد تستطيع حفرة عملاقة توجد تحت الماء وتحيط بها الشعاب والكهوف وأسماك القرش، توفير دلائل جديدة لعلماء الآثار حول سر سقوط حضارة المايا.

وجد علماء من جامعة رايس وجامعة ولاية لويزيانا كهفاً في الحاجز المرجاني الذي يحيط بالحفرة العملاقة الزرقاء التي توجد بالقرب من شواطئ (بيليز) والتي يبلغ عمقها 400 قدماً، وهذا الاكتشاف يمكن أن يدعّم النظرية القائلة بأن الجفاف والمناخ السيئ دفع حضارة المايا للتحول من قوة إقليمية إلى قوة قليلة متناثرة من الناجين المتنافسين، مما أدى في نهاية المطاف إلى تحول هذه الحضارة إلى حضارة مفقودة تقريباً.

قام الباحثون بإجراء عمليات الحفر والتنقيب في كل من الحفرة العملاقة القديمة والبحيرة المجاورة لها للحصول على عينات صخرية ورواسب تعود لعصور اندثار حضارة المايا، ما بين 800 و 1000 م، ومن ثم قاموا بفحص نسبة الألمنيوم والتيتانيوم التي توجد في تلك العينات، وهي علامات تدل على هطول الأمطار الغزيرة من الأعاصير المدارية.

وجدت الدراسة التي تم نشرها في (دورية التقارير العلمية)، أن كمية التيتانيوم كانت قليلة نسبياً، مما يعني أنه لم يكن هناك سوى القليل من الأعاصير المدارية وأن فترات الجفاف كانت أطول من المعتاد خلال تلك القرون.

منذ سنوات عديدة افترض الباحثون بأن الجفاف هو العامل الرئيسي الذي ساعد على اندثار حضارة المايا، ولكن لم يكن هناك أدلة كافية تدعّم هذه الافتراضات، وإن هذه الحفرة الزرقاء العملاقة تعتبر الدليل الأفضل حتى الآن، وذلك لأنها تقع على مسار العواصف التي تمر فوق عاصمة المايا القديمة (تيكال)، حيث أنه من المعروف أن شبه جزيرة يوكاتان تفتقر إلى الموارد المائية الطبيعية، لذلك كان شعب المايا يعتمدون على مياه الأمطار التي تتراكم في مجاري الحجر الجيري – وهي مجاري طبيعية تعرف باسم “سينوتي” (والتي يتم استخدامها أيضاً لطقوس دينية في بعض الأحيان)- وفي صهاريج من صنع الإنسان أيضاً تسمى (chultunes)، لذلك فإن انقضاء فترات طويلة من الجفاف، مثل تلك التي تشير إليها الأدلة، كان يمكن أن تصيب مخازن المايا من المياه الصالحة للشرب بالجفاف بسرعة كبيرة.

ويفترض الباحثون بأن العواقب الطبيعية لأزمة المياه في حضارة المايا أدت إلى حدوث المجاعات، والاضطرابات ونشوب الحروب، لذلك بحلول عام 900 م ترك سكان المايا مدنهم، بعد أن أصبحت المياه ملوثة وبدأ انشار الأمراض، وبعد أن جفت المحاصيل، بدأت الجماعات المتنافسة بالقتال والفرار بحثاً عن الموارد في أماكن أخرى.

كان السبب الذي جعل سكان المايا يهجرون مدنهم ويتركون حضارتهم التي كانوا قد وصلوا فيها إلى مراحل متقدمة في كل من مجالات الفن والهندسة المعمارية، والرياضة، والزراعة، والتجارة، قد حيّر العلماء لعقود، وكان العلماء قد اقترحوا سابقاً بأن تكون الحروب والمناخ والمرض والأوضاع السياسية هي السبب وراء ذلك، إلّا أن أنصار فرضية الجفاف يقولون بأن هذه الأسباب مجتمعة يمكن أن تكون راجعة إلى نظرية أكبر من الانهيار الشامل.

الجدير بالذكر بأن هناك مدينة رئيسية تدعى (تشيتشن إيتزا)، تقع على طول ساحل شبه الجزيرة، كانت قد ازدهرت لنحو قرن من الزمان بعد عام 1000م، ويبدو أن ازدهارها جاء بعد قدوم سكان المايا من المدن الأخرى لإعادة إحياء ثقافة المايا فيها، إلّا أن الدراسات التي أجريت على الحفرة الزرقاء العملاقة تظهر بأنه كان هناك فترة ثانية من الجفاف اجتاحت شبه الجزيرة، وكان ذلك بالتزامن مع الوقت الذي اندثرت فيه مدينة (تشيتشن إيتزا) أيضاً بحسب تقديرات الباحثين، غير أن بعضاً من سكان المايا استمروا في العيش هناك، ولكن كانت أعدادهم قليلة، حيث أنهم استطاعوا النجاة خلال انهيار حضارتهم، ووصول الغزاة الاسبان إليهم.

يشير الباحثون أيضاً إلى أن تغير المناخ والجفاف كانا من الأسباب المحتملة الرئيسية لتراجع العديد من الحضارات الأخرى، حيث يشير عالم الآثار (هارفي فايس) من جامعة ييل وعالم المناخ (ريمون برادلي) من جامعة ماساتشوستس، بأن الجفاف الهائل غيّر التاريخ في منطقة الشرق الأوسط بكاملها، حيث أنه أدى إلى تدمير الإمبراطورية الأكادية والمملكة القديمة في مصر في حدود عام 2200 قبل الميلاد، كما أن الجفاف والفيضانات أجبرت حضارة البيرو على الانتقال نحو الشمال في الفترة التي تقارب الـ 500 م، كما وتسببت مشاكل مماثلة بعد ما يقرب من ألف سنة إلى تخلي حضارة (الأنازاسي) عن مدنها في أمريكا الشمالية.