نقطة غير مصنف تنمية النخاع الشوكي في المختبر

تنمية النخاع الشوكي في المختبر

مع تواصل تطور الطب التجديدي وتقنيات الخلايا الجذعية، تتزايد قائمة الأنسجة والأعضاء التي يمكن زراعتها وتنميتها من الصفر، حيث قام الباحثون في السنوات القليلة الماضية باستخدام الخلايا الجذعية لزراعة المثانة والمهبل في المختبرات، واستطاعوا في بعض الحالات زراعتها بنجاح في جسم المرضى، كما استطاع باحثون آخرون أن يحرزوا تقدماً في مجال تنمية الكبد وأنسجة القلب، واستطاع فريق في لندن أن يقوم بتنمية أوعية دموية، وأنوف وآذان من الصفر، لا بل إن بعض الباحثين استطاعوا زراعة وتنمية قطع صغيرة من أنسجة الدماغ  التي تعتبر أكثر أنسجة جسم الإنسان تعقيداً، أما حالياً، قام باحثون من ألمانيا بزراعة وتنمية نخاع شوكي كامل عن طريق استعمال خلايا جذعية جنينية.

إن تنمية الأنسجة والأعضاء تعتمد بالعادة على تقنية السقالات القابلة للتحلل، حيث تتضمن هذه السقالات مواد حيوية مساميّة قابلة للتحلّل تعمل كقوالب بنيوية (لذلك تُسمّى السقّالات)، وهذه السقالات عندما يتم زرعها مع الخلايا الجذعية للمريض، تعمل على توفير سطح للخلايا لتحط عليه لتتوفر لها المواد الغذائية، وتعمل عندها على توجيه نمو النسيج الجديد، عن طريق توصيل الإشارات اللازمة للخلايا الجذعية لتشكيل الأنسجة بالشكل الصحيح.

إن التعقيد في طريقة تشكّل النسيج العصبي يجعل تقنية السقالات غير مناسبة لزراعة الأنسجة العصبية، كون النسيج العصبي البشري يتشكل بطريقة معقدة للغاية، حيث يبدأ تشكل النسيج العصبي كخلايا مسطحة على السطح العلوي للجنين، وتدعى هذه الخلايا المسطحة باللوحة العصبية، وتتطور هذه اللوحة عن طريق سلسلة من التغيرات المدروسة لتشكيل أنبوب مجوف، أحد نهايات هذا الأنبوب العصبي يشكّل الدماغ، والطرف الآخر يشكّل الحبل الشوكي، هذ التعقيد يجعل السقالات غير مناسبة لزراعة الأنسجة العصبية، كما أنه لا يمكن تصنيع الأشكال المعقدة لهذه الأنسجة مختبرياً عن طريق السقالات.

لذا قامت (أندريا مينهاردت) وزملائها من جامعة دريسدن للتكنولوجيا باستغلال الخاصية التي تتميز بها الخلايا الجذعية وهي خاصية التشكّل الذاتي، وهذه الخاصية اكتشفها لأول مرة الباحث (يوشيكي ساسي) منذ حوالي 10 سنوات، حيث طوّر (ساسي) وفريقه طريقة لزراعة الخلايا الجذعية الجنينية بنظام تعليق ثلاثي الأبعاد، ووجد الفريق أن الخلايا المزروعة بهذه الطريقة إذا ما تمت تغذيتها بالإشارات الجزيئية الصحيحة، يمكنها تنظيم نفسها لتشكيل أنسجة معقدة مثل العيون، والغدد وأجزاء من الدماغ، بناء عليه قامت (مينهاردت) باستخدام جزء من تقنية (Sasai)، وقاموا بتعليق الخلايا الجذعية الجنينية بشكل أحادي داخل هلام ثلاثي الأبعاد من المغذيات على أطباق بتري، وعندما تركت هذه الخلايا بدون إجراء أي عمليات عليها، بدأت هذه الخلايا بالتمايز إلى خلايا عصبية غير ناضجة، مما أدى إلى تشكل كرات تحتوي على خلايا غير ناضجة تشبه تلك الموجودة في اللوحة العصبية.

الحبل الشوكي هو جهاز على درجة عالية من التنظيم، وهو يتكون من خلايا مرتبة بأنماط محددة بدقة، حيث تترتب الخلايا على محورين، محور يتضمن ترتيب الخلايا وجهاً إلى ظهر، ومحور آخر يتضمن ترتيب الخلايا أعلى إلى أسفل، ويعمل الحبل الظهري عند الجنين والذي يوجد تحت الأنبوب العصبي، كمركز إشارات يقوم بتوجيه نمط ترتيب الخلايا لتشكل الحبل الشوكي، حيث يقوم الحبل الظهري بإفراز حمض الريتينويك، الذي ينشط جيناً يدعى (Sonic Hedgehog) في خلايا الجزء السفلي من الأنبوب العصبي، هذه الخلايا تفرز هذا البروتين الذي ينتشر ضمن الأنبوب العصبي، من خلال آلية تركيز تدريجي، كون خلايا الأنبوب العصبي غير الناضجة تكون حساسة لتركيز بروتين (Sonic Hedgehog)، حيث تتمايز هذه الخلايا وفقاً لمستويات تركيز هذا البروتين، فالخلايا الأقرب للجزء السفلي من الحبل الشوكي تحصل على تركيزات أعلى من البروتين، مما يؤدي إلى تطور هذه الخلايا إلى خلايا عصبية حركية، تمتد لاحقاً لتصل إلى العضلات، أما الخلايا الأقرب إلى الجزء العلوي من الحبل الشوكي تتعرض لتركيزات أقل من البروتين، مما يؤدي إلى تطور هذه الخلايا لتصبح خلايا واصلة (Interneurons).

بناء على ما تقدم، قام الباحثون بإضافة حمض الريتينويك إلى المواد الهلامية التي تحيط بالخلايا الجذعية، عندها استجابت الخلايا الجذعية للإِشارات الجزيئية، وأدى ذلك إلى دفع الخلايا لتطوير وتنظيم نفسها لتصبح أنسجة حبل شوكي، واستطاع الباحثون التأكيد على هوية هذه الخلايا عن طريق تعريض هذه الخلايا التي تم تطويرها في المختبر إلى الأجسام المضادة للفلورسنت التي تستطيع التعرف على أنوع الخلايا المختلفة.

أخيراً، في كل عام يعاني مئات الآلاف من الأشخاص في جميع أنحاء العالم من الشلل الجزئي أو الكامل بسبب إصابات في النخاع الشوكي، ولكن جميع الجهود الرامية إلى تطوير علاجات فعالة لأذيات النخاع الشوكي لم تلق أي نجاح يذكر، وهذه الدراسة الأخيرة لن تؤدي إلى تطوير علاجات جديدة فورية لمشاكل الحبل الشوكي، ولكن القدرة على تنمية أنسجة الحبل الشوكي سوف تؤتي ثمارها بلا شك في المستقبل، فضلاً عن أن هذا النسيج الجديد الذي استطاع الباحثون التوصل لتصنيعه سيساعدهم على معرفة المزيد عن الاضطرابات الخلقية مثل الشوك المشقوق (السنسنة المشقوقة).