تكنولوجيا الماضى وحضارة الحاضر

البروفيسور " نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

ما بين الماضى والحاضر وطموح المستقبل، نصطدم بالكثير من الاختلافات التى تكمن في التطور والتقدم الذي حدث على مر الزمن. اختلافات اختلفت فيها كل مكونات الحياة الحى منها وغير الحى، مع ثبوت الكثير من المؤشرات الايجابية التى تخفى ورائها الكثير والكثير من السلبيات. فى الماضى،  كانت الحياة أبسط وأبطأ، تعتمد على الأدوات اليدوية والآلات البسيطة. كانت فيها الأجهزة أقل كفاءة وأقل تطورًا، مثل الآلات اليدوية، الهاتف الثابت، والأجهزة البدائية. وكانت التكنولوجيا محدودة الانتشار، وغالبًا مقتصرة على بعض المناطق أو الطبقات الاجتماعية. كانت هذه التكنولوجيا  تقتصر على مهام بسيطة أو محدودة، وغالبًا تتطلب جهودًا يدوية كبيرة، ومن ثم كانت تؤثر بشكل محدود على نمط الحياة والاقتصاد. وفى الحاضر، تطورت الحياة سريعا نتيجة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، الحوسبة السحابية، والإنترنت، والأجهزة الذكية، مع إمكانيات عالية من السرعة والدقة. وأصبحت التكنولوجيا متاحة للجميع تقريبًا، وتُستخدم في كل مكان حول العالم، بفضل التطور الرقمي والتقنيات المحمولة. وأتاحت هذه التكنولوجيا أداء مهام معقدة بسرعة ودقة عالية، مثل العمليات الجراحية الدقيقة، إدارة البيانات الضخمة، والاتصالات الفورية. كما غيرت هذه التكنولوجيا وبشكل جذري نمط الحياة، وأسهمت في التقدم الاقتصادي، والتعليم، والصحة، وغيرها من المجالات. باختصار، تكنولوجيا الحاضر اتسمت بالتطور السريع، والانتشار الواسع، والقدرة على حل المشكلات بشكل أكثر كفاءة مقارنة بتكنولوجيا الماضي، ولكن!!!!!!!.

ولكن ما بين هذه وتلك أشياء مفقوده وسلبيات أحاطت كل ما تم تحقيقه من ايجابيات، الفقد كان وما زال كائن فى فقدنا للمعنى الحقيقى للحياة، فلا وعى ولا ادراك لهذا المعنى. فلا استمتاع حقيقى بالحياة، غير الاستمتاع بسهولة انقضاء الأشياء التى افتقدنا معها كل طعم ولذة فيها.  ما افتقدناه فى كل الأشياء هو روح الحياة، هذه الروح القاطنة فى راحة البال والاستمتاع الحقيقى بماهية الأشياء وتكييفها التكييف الصحيح للاحساس بما تحمله من معانى.  

فكانت للحياة روح وجسد صحيح معافى من كل الأمراض، عندما كان هناك رجالا ونساء لم يعرفوا القراءة والكتابة ولكنهم اتقنوا علم الكلام، ولم يدرسوا الأدب ولكنهم علمونا كل فنون الأدب. هؤلاء لم تحتضنهم المدارس والجامعات كى يتعلموا فيها قوانين الطبيعة وعلوم الحياة، ولكنهم علمونا جغرافيا الحياة وفن الحياء. لم يقرأ هؤلاء كتابا واحدا عن العلاقات والذكاء الاجتماعى، ولكنهم علمونا حسن المعاملة والاحترام. رجال ونساء لم يدرسوا الأديان ولكنهم علمونا معنى الايمان وفن المواطنة. هؤلاء علمونا بعد النظر وغرسوا فينا قيمة الوعى والادراك، على الرغم من عدم دراستهم لعلوم المتابعة والتخطيط. مع هؤلاء وفى فناء منازلهم، لم يجرؤا أحد منا على الكلام بصوت مرتفع، كان الكبير كبيرا والصغير صغيرا والاحترام متبادل والرحمة مستقرة فى العقول قبل القلوب. كنا معهم وبهم جيلا ننام عند انطفاء شعلة مصباح الكيروسين أو حتى لمبة الكهرباء، فلا سهر ولا تغيير للساعة البيولوجية ولا جلوس على المقاهى حتى الصباح. كنا معهم وبهم نتحدث مع بعضنا البعض… ولا نتحدث عن بعضنا البعض، كانت مصالحنا الشخصية تنصهر فى بوتقة المصلحة العامة. كان فى زمانهم، للأهل هيبة وللمعلم هيبة، وللعشرة هيبة نظرا لسيطرة دفء الأسرة والعطفة والزقاق والشارع والحى على كل الأشياء. كنا معهم وبينهم نحترم سابع جار، ونتقاسم مع الصديق المصروف واللقمة و الأسرار. كنا بهم ومن خلالهم، نعرف معنى الحب والتسامح ، والوفاء ، والاحترام وكل القيم النبيلة. كنا بهم ومن خلالهم ومعهم، نحيا الحياة ونستمتع بكل لحظة فيها، كان لنا أهداف وآمال وطموح نسعى لتحقيقها ويسعدنا تحقيق القليل لما كان لدينا من قناعة و رضا حقيقى بقضاء الله سبحانه وتعالى. فى كل هذا كان المعنى الحقيقى للحياة، فى كل هذا كانت حياة الحياة، انها تكنولوجيا الماضى الجميل الذى ننعى أنفسنا على فراقه وغياب أصحابه.

  أما حضارة الحاضر وطموح المستقبل وايجابيات الواقع الحزين، التى لم تستحى من كل ما نجم عنها من سلبيات مؤثمة، قد أثرت وبشكل فعال على  صحة الإنسان والكائنات الحية وأصبحت تهدد استدامة البيئة. حضارة الحاضر والاعتماد الشديد على التكنولوجيا، أدت إلى ضعف المهارات اليدوية، وتقليل التواصل الإنساني المباشر. اختلال اجتماعي واقتصادي اقترن بحضارة الحاضر نظرا للتفاوت الشديد في توزيع الثروات، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، خاصة مع التقدم التكنولوجي الذي قد يزيد من فجوة الثروة. سماء حضارة الحاضر المتقدم أصبحت ملبدة بمشاكل الصحة النفسية المفرطة وبتدهور واضح بل وسافر فى القيم والأخلاق. افتقاد شبه كامل لخصوصية الأفراد قبل المجتمعات مع تزايد استخدام التكنولوجيا الرقمية لحضارة الحاضر  نتيجة لزيادة مخاطر الاختراقات الإلكترونية. إدمان، وقلق، واكتئاب، واعتداءات ضخمة أكدتها حضارة الحاضر الموجودة فى الاستخدام  المفرط  لوسائل التواصل الاجتماعي والأجهزة الرقمية.  

فما بين بطئ تفاعل كيمياء حياة الماضى والسرعة الرهيبة لتفاعل كيمياء الحاضر، تكمن ظروف التفاعل التى تحتاج وبشدة الى محفز قوى ومتقدم يجمع بين الحداثة والتقليدية. حيث تكمن كفاءة حفاز الحياة  فى المعالجة لبطئ الماضى وافتقاد أدبيات حياة الحاضر لتحقيق التوازن بين التقدم والمحافظة على البيئة والقيم الإنسانية. وسحرية حفاز هابر- بوش لانتاج الامونيا على المستوى الصناعى، لابد أن تلقى بسحرها على تكنولوجيا الماضى وحضارة الحاضر، من خلال التنقيب عن مكتسبات كل منهما والمزج فيما بينهما لاستحداث تكنولوجيا هجينة. تكنولوجيا هجينة تمزج حضارة الحاضر بعبق تكنولوجيا الماضى القائمة على الأدبيات الأصيلة للحياة، وفى نفس الوقت تنزع فتيل عشوائية الحاضر الفاقد لمعظم معانى الأهداف والطموح والأشياء كل الأشياء.  


شارك المقالة
** أستاذ المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى / مصر ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** تعد كل مقالاتى وأبحاثى وكل ما حصلت عليه من براءات اختراع ، صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والأدبى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51