
ملاحظة على الهامش: تاريخ الاصطلاحات هو مجال حسّاس ثقافيا ولا يحظى باجماع خصوصا اذا انتبهنا الى قضية “منتجي المعرفة” في العالم اليوم وهم “العالم الغربي” أساسا. لذا قد يتم تجاوز الحقبة الاسلامية بما حظيت به حضارتها لمدة قرون من انتاج معرفي ونقاشات علمية وفلسفية واسعة، فلا تأخذ ما نترجمه لك هنا بالتسليم. وندعوك الى أن تساهم معنا في التطرق لهذه القضية وتضيف لنا الجديد خارج اطار ما نقوم بترجمته.
Wundt هو الرجل الذي يصنف على أنه المؤسس لل”مختبر النفسي”، لم يدخل في تعريفه لعلم النفس تخصص “علم نفس النموّ”، الأمر الذي يؤكد على الادّعاء القائل بأن مصطلح “النمّو” قد تم الخوض لأول مرة في تعريفه من ثلاثمائة عام، وغمار البحث قد خيض فيها قبل مائة عام فقط. جاء ذلك متأخرا بسبب الاهتمام البحثي الضحل بالأطفال ونموّهم.
فقد تم اعتبار الأطفال حتى زمن قريب في المجتمعات على أنهم بالغون، ولديهم كل مكونات البالغين منذ نعومة أظفارهم ولم يتبق سوى أن ينضجوا (بالمعنى الجسدي). يمكن أيضا التأكد من ذلك من خلال الرسومات الفنية في القرن السابع عشر التي من خلالها رسم الأطفال تماما كالرجال لكنهم أصغر، يرجع ذلك الى أسباب اجتماعية منها هو أن الأطفال في ذلك الوقت كانوا يبدأون العمل فعلا من جيل ست سنوات ويبدأون معها بالتصرف كالكبار، وقد عرف هذا التوجه بالاصطلاح “ما قبل التشكّل” (preformationism).
هذا التوجّه “ما قبل التشكّل” (preformationism) تعرّض للتشكيك والنقد على اثر نقاشات دينية، التي انشغلت بتصوير سذاجة الأطفال وعرضهم بصورة مختلفة تماما. هذا بالاضافة الى نقاشات فلسفية قد ساهمت في التشكيك والنقد هذا، عندها صعد الى السطح السؤال عن معنى الطفولة وبدأ اعتبار الطفولة على أنها مرحلة منفصلة ومختلفة عن مرحلة البلوغ. المفكّر الفرنسي “جون لوك” ادّعى بأن الأطفال يولدون صفحة بيضاء لا يحملون في طياتهم الخير أو السوء وكل ما ينم عنهم هو في الحقيقة نتاج للمجتمع المحيط بهم. في المقابل أدّعى المفكر جاك روسو أن الانسان يولد خيّرا في الأساس ثم يتعرض للوثة المجتمع المحيط. هذه النقاشات أثرت بصورة جليّة على النقاش الدائر بخصوص “علم نفس النمو”.
في سنوات 1800 تم اكتشاف طفل عرف باسم “فكتور” في فرنسا يبلغ من العمر بين اثني عشرة عاما والثالثة عشر كان قد عاش طوال الوقت في الغابات. أخذ الباحث ايتراد Itrad هذا الطفل وحاول تدريسه القراءة والكتابة وبعض من طرق التواصل المتؤدبة، في البداية تعلّم الولد بسرعة كبيرة لكن بعد مرور خمس سنوات توقّف عن التعلّم وظلّ في مكانه لا يتقدّم. هذا الاكتشاف أبرز الفكرة التي تقول أن هناك اختلاف بين الطفل والبالغ، والكبر جسديا لا يكفي وحده، انّما بحاجة الى بعض التعلم المطلوب والتأثر بالمجتمع المحيط. هذه الفكرة تأكدّت ثانية عندما توصّل العلم الى أن هناك فرق جوهري بين الأطفال أنفسهم في أعمارهم المختلفة. هذا بالرغم من أن قصة فيكتور أعلاه لا يمكن لها أن تحل النقاش الأبدي المتعلق بقضية حجم تأثير المجتمع المحيط مقابل حجم تأثير العامل الوراثي، لأنه لم يكن معروفا الحال التي ترك عليها “فيكتور” لأنه من الوارد أنه عاني منذ ولادته مشاكل جسدية وذهنية، لذا لا يعتبر عينة ممثلة يمكن الاستخلاص منها.
تقريبا في نفس الفترة تم نشر كتاب داروين، أصل الأجناس. وقد أثرت نظرية “التطور” لدى داروين كثيرا على محاولة فهم ماهيّة الطفل، لأنه يتحدث في نظريته عن الطفل بأنه مخلوق ضعيف وصغير والذي يتطور الى أن يصبح رجل قوي وكبير في مقابلة له مع الطفل. وفكرته التي تتحدث عن “تطور نسل الجنين” (ontogeny recapituates phzlogeny) التي يقول فيها أن كل واحد فينا يعيد تكرار تاريخ التطور الانساني كله على حدًى. ( اعتمادا على نظرية التطور الخاصة بداروين طوّر باحث يدعى Haeckel القانون الوراثي الاحيائي (biogentic law) أو البيوجيني).
باحثو “علم نفس النموّ” يقولون بأن هذا الادّعاء صحيح لكن ذلك فيما يتعلق بمرحلة ما قبل الولادة، فان يد الجنين تنمو على أنها كتلة واحدة ومن ثم تنمو بعدها الأصابع. في المقابل يقول باحثون آخرون أن المقابلة بين “نظرية التطور” وتطور الطفل تستمر أيضا بعد الولادة. وفق هذا التوجه، فان الطفل هو مخلوق غير متطور الذي يمثل الانسان القديم والتطور الخاص به مقابل لنموّ الانسان، هذا بالاضافة الى أن الأشياء الطبيعية المتوفرة لدى الطفل فانها تستمر في البقاء لدى البالغ، ولكن فقط عندها تتحول الى غير طبيعية(مألوفة).
ظاهرة أخرى أثرت على موضوع بحث “علم نفس النموّ” هي الثورة الصناعية. هذه الثورة جعلت الكثير من الأسئلة تطفو على السطح مثل عدد ساعات العمل اليومي وقضايا التربية والتعليم. بالاضافة الى عملية التمدّن التي اضطرت الناس البحث عن اطار يجمع فيه الأطفال. على اثر هذين التغيرين بدأ يظهر في المجتمع مدارس خاصة وقانون التعلم الاجباري، الأمر الذي كشف لأول مرة عن نقاشات وقضايا مثل التخلف العقلي أو ضعف القدرات، ومن ثم اختبارات الذكاء التي طوّرت لكي تفحص قدرات الأطفال على التعلم دون غيرهم. من هنا يمكن القول أن المتطلبات التي فرضت نفسها على الواقع هي التي ساهمت بقضية المناقشة العلمية عامة ومناقشة تخصص “علم نفس النمو” على وجه الخصوص.
مترجم بتصرّف عن محاضرات في علم نفس النموّ



