الوطاء: القائد الخفي

البروفيسور " نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

تحت المهاد ” الوطاء” هو منطقة صغيرة تقع في قاعدة الدماغ،  أسفل المهاد وأمام الغدة النخامية، وتعد جزءًا من الجهاز العصبي المركزي، يعمل كحلقة وصل أساسية بين الجهاز العصبي والجهاز الصمّاوي. يلعب دورًا حيويًا في تنظيم العديد من العمليات الأساسية مثل التحكم في درجة الحرارة، الجوع، العطش، النوم، والاستيقاظ، بالإضافة إلى تنظيم الهرمونات والتحكم في مشاعر الإنسان. يُطلق عليه أحيانًا “القائد الخفي” لأنه يعمل بشكل لا إرادي، ويؤثر بشكل كبير على سلوكياتنا وقراراتنا اليومية. تحت المهاد يفرز هرمونات تسمى “الهرمونات الموجهة”، والتي تتفاعل مع مستقبلات على سطح الغدة النخامية. عندما تستقبل النخامية هذه الإشارات، فإنها تفرز هرمونات أخرى تُعرف بالهرمونات المحفزة، مثل TSH، ACTH، FSH، LH، والبرولاكتين.

عندما يرسل تحت المهاد هرمون TRH (الهرمون المطلق للثيروتروبين)، تقوم النخامية بإفراز هرمون TSH (الهرمون المحفز للغدة الدرقية). هذا الهرمون يتجه إلى الغدة الدرقية، ويحفزها على إفراز هرمونات الثيروكسين (T4) وثيرونين (T3)، التي تتحكم في معدل استهلاك الطاقة في خلايا الجسم، وتؤثر على درجة الحرارة، ونشاط الأيض، والتوازن الهرموني. أما هرمون ACTH (الهرمون الموجه لقشرة الغدة الكظرية)، فهو يفرز استجابةً لإشارات من تحت المهاد، ويحفز الغدة الكظرية على إفراز الكورتيزول. الكورتيزول هو هرمون استجابة للضغط، يساعد على رفع مستوى السكر في الدم، ويعزز مقاومة الجسم للالتهابات، ويشارك في تنظيم وظيفة الجهاز المناعي. وفيما يخص الغدد التناسلية، يرسل تحت المهاد هرمونات مثل GnRH (الهرمون المطلق لموجهة الغدد التناسلية)، الذي يحفز النخامية لإفراز هرمونات FSH و LH، لترسم مصير الخصوبة وتدير أسرار التكاثر والحياة. هذان الهرمونان يتحكمان في عمليات التكاثر، ويحفزان المبايض أو الخصيتين لإنتاج هرمونات الأنوثة أو الذكورة، مثل الإستروجين والبروجيستيرون أو التستوستيرون. بالإضافة إلى ذلك، يرسل تحت المهاد الى الغدد اللبنية هرمون البرولاكتين ليفيض الحليب حنانا وعطاء. كما يصدر هرمون النمو الذي يعزز بناء العظام والعضلات، ويؤثر على نمو الجسم بشكل عام.

هذه السلسلة المعقدة من التفاعلات الكيميائية، حيث تنتقل الإشارات الهرمونية عبر مجرى الدم، تعمل بتناغم مذهل لضمان توازن الجسم. أي خطأ بسيط في هذا النظام، مثل نقص أو زيادة في إفراز هرمونات معينة، قد يؤدي إلى فوضى كبيرة فى جسدك، اضطرابات صحية، من ضعف المناعة إلى اضطرابات في النمو أو الوظائف التناسلية. نظام مفتاحى يفصل بين الصحة والمرض، بين القوة والضعف، بين الحياة والفناء.

انه مشهد مذهل، تحت المهاد يهمس، والنخامية تصدر الأوامر، والغدد الصوماء تنفذ بدقة عالية. انها أوركسترا عظيمة، تعزف لحن الحياة دون أى حول منا ولا قوة، ” وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ” (الذاريات: 21). إذن، تحت المهاد والغدة النخامية ليستا مجرد غدد صغيرة في عمق الدماغ، بل هما مركزان كيميائيان يتحكمان في توازن حياتك، ويجعلك تتمتع بصحة، قوة، وتوازن نفسي وبدني.

شارك المقالة
** أستاذ المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى / مصر ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** تعد كل مقالاتى وأبحاثى وكل ما حصلت عليه من براءات اختراع ، صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والأدبى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51