المبكيات المضحكات

البروفيسور " نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

في حياة الإنسان، تتجلى الكثير من التناقضات التي تثير الدهشة والحزن في آنٍ واحد، فهي تجمع بين المضحك والمبكي، وتكشف عن تيهه في دروب الحياة. فكثير ما تصطدم فى حياتك بمواقف مأساوية، شديدة فى قسوتها، عميقة فى تأثيرها، تحمل فى طياتها سببًا للبُكاء أو الحزن. ومع ذلك، تجد نفسك تنفجر بالضحك الهستيرى الشديد، والدموع تتساقط من عينيك، وتسقط فى بركان التأتأة وتلعثم الكلامات، وتعتريك غصة فى الصدر والقلب. انه بكاء الضحك الحزين، وصراخ ضحك البكاء الأليم. لغة الحياة الحزينة، التى فرضت نفسها فرضا لا لعيب فيها ولكن لكثرة ما بنا من عيوب، ” نعيب زماننا والعيب فينا…. وما لزماننا عيب سوانا”. انها اللامعقولية التى عبر عنها جان بول سارتر ووجوديين آخرين: اعتبروا أن المزج بين الضحك والحزن يعكس التوتر والعبث في الوجود، وأنه وسيلة للتعبير عن اللامعقولية في حياة الإنسان.

من أروع الأمثلة على المضحكات المبكيات هو ما نراه من أشخاص يتظاهرون بالورع والفضيلة، وهم في الواقع ينهبون حقوق الناس، ويطعنونهم في ظهورهم، ويبتعدون عن أخلاق الدين والإنسانية. ولما لا؟ وقد فعلها قابيل فى زمن ما قبل التاريخ، حين قدم وهو فلاح من محاصيله قربانا لله تعالى، بينما قدم أخيه هابيل، وهو راعٍ، من أفضل ما لديه من أغنامه. ووفقًا للقصة، استجاب الله لعرض هابيل، ورفض قربان قابيل، مما أثار غيرة وحقد قابيل، فاستدرج هابيل إلى الحقل، ثم قتلَه انتقامًا من رفض الله لذبيحته، وارتكب جريمته البشعة وهو صاغر أمام هوى نفسه العليلة. ذهب ليتقرب الى ربه ويرضيه فأغضبه بجهله الأسود، انها سخرية القدر الساكنة فى كل مبكى مضحك. انه التناقض السافر بين ظاهرية التقوى والعبادة والانسانية، وبين باطنية البعد الكامل عن كل هذا. سخرية التناقض التى فرضت نفسها بقوة، عندما تفقد الحياة عذريتها، وعندما تذوب فطرة الطبيعة فى مستنقع اللامعقولية. هذه السخرية القابعة فى ضحكات أم باكية على قتلها لابنائها، والكائنة فى عويل وضحكات قابيل عند قتله لأخيه وقلة حيلته فى كيفية قبره، والصارخة فى أنين مظلوم فقد كل حقوقه لمجرد أنه طالب بحقه.

انها كيمياء المبكيات المضحكات، لأن الإنسان كالكيمياء، يمكن أن يكون مصدر خير أو شر، حسب التفاعل الذي يحدث داخله وخارجه. تناقضات كيميائية تضحك وتبكي على حد سواء، يؤكدها العالم الكيميائي لورنس براون: “الكيمياء ليست إلا لغة الطبيعة، وفهمها يمنحنا القدرة على التغيير، سواء للأفضل أو للأسوأ”. فالتفاعلات بين المواد تُحدد نتائجها إما بأنها مفيدة أو ضارة، اعتمادًا على الظروف والمواد المستخدمة. فتفاعل حمض مع قاعدة يُنتج ملحًا وماءً، وهو تفاعل مفيد، أما إذا حدث بشكل غير مسؤول، يمكن أن يؤدي إلى تآكل وتدمير.  وعنصر الكلور يُستخدم لتنقية المياه، لكنه إذا استُخدم بشكل خاطئ، يمكن أن يكون قاتلاً.  وبعض المواد الكيميائية تُستخدم في الأدوية، ولكنها إذا استُخدمت بشكل غير مسؤول أو بجرعات زائدة، تصبح سمومًا تقتل الإنسان.  بالمثل، الإنسان يتفاعل داخليًا وخارجيًا، ويمكن أن يتحول من شخص يدعو للفضيلة، إلى شخص يغش ويظلم، اعتمادًا على الظروف المحيطة، وقوة الدوافع، والتأثيرات الخارجية، وهو يشبه تفاعل المواد الكيميائية التي تتفاوت نتائجها باختلاف المُحفزات.

شارك المقالة
** أستاذ المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى / مصر ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** تعد كل مقالاتى وأبحاثى وكل ما حصلت عليه من براءات اختراع ، صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والأدبى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51