فى منظومة البحث العلمى، عندما يطغى الكم على الكيف، تزداد الفقاعة البحثية التى هى جزء من الفقاعة المعرفية. هذا وقد تجف شرايين الكيان البحثى عند سيطرة الكيف على الكم. كل هذا يشير بل يؤكد على أن التوزان بطبيعته هو أساس استمرارية كل الأشياء لتحقيق الأهداف المنشوده منها. الكم هو مقدار أو عدد الأشياء أو الظواهر. في سياق البحث العلمي، يُقصد به عدد الأبحاث، الدراسات، الأوراق العلمية، أو النتائج التي يتم إنتاجها. يُعبر عنه عادةً بالحجم أو العدد، ويُستخدم كمؤشر على النشاط أو الإنتاجية. الكيف هو مدى تميز أو قيمة أو عمق أو أصالة أو ابتكار الشيء أو الظاهرة. في البحث العلمي، يُقصد بـالجودة مدى أصالة الأبحاث، عمق التحليل، مدى تأثيرها، وفاعليتها في إحداث تغيير أو إضافة حقيقية للمجال العلمي أو المجتمعي.
والكم هنا هو الكم الذى يحتوى فى حقيقته الافكار الابداعية التى قد تنشأ فى مخطوطة بحثية أو دراسة علمية معينة. وعلى الجانب الأخر، كثيرا ما نصطدم بواقع أليم يغلب عليه مقولة ” العدد فى الليمون” نظرا لزيادة التركيز على إنتاج الأبحاث العلمية بكميات كبيرة على حساب الفكرة الابداعية لنصبح أمام غثاء الكم . غثاء الكم هو الكم الذى يحتوى على الكثير والكثير من الوحدات البحثية سواء كانت مخطوطات علمية (أبحاث، أو رسائل ماجستير أو دكتوراه) أو مشاريع بحثية التى تحمل نفس الفكرة الابداعية التى تفقد كامل قيمتها بمجرد تناولها دون ابداع فى مخطوطة أو مشروع أخر. هذا الغثاء الكمى غالبا ما يسبب إزعاجًا وتحديات فكرية ووظيفية، دون أن يكون له فوائد واضحة في الكثير من الحالات. حقيقة صاخبة لايمكن انكارها عندما نلقى بمظلة الفحص والتمحيص على واقع المخطوطات والمشروعات السابقة والموجودة بل والتى هى محل التقدم لاجرائها فى المستقبل. ومن يعترض او يشكك فى أننا أمام غثاء كمى قد طغى، فليستقل مركبته ويتحرر من عنصريته ويتجول بها فى محيط المخطوطات الكائنة والسابقة فقط، دون أن يحمل نفسه مشقة النظر فى المخطوطات التى سوف تظهر فى المستقبلة لآنها وبكل تأكيد سوف تكون محاكية لما سبق. غثاء الكم غير مرغوب فيه من حيث الشكل والموضوع، أما الكم الحقيقى مطلوب ولكن بقدر محسوب كى نصل به الى مرحلة الاتزان مع الكيف المنشود. حتى وان كان الكم الحقيقى مطلوبا فى فترة الانتشار واثبات الوجود، فان هذه الفترة قد تم اجتيازها وأصبح لنا فى حاجة اليها، هذا ان كانت لدينا الرغبة الحقيقة فى تحقيق سياسات الابتكار التى ان لم تكن مستدامة فلن يكون هناك أى حاجة الى خوض معاركها الضارية. تفاقم غثاء سيل الكم أدى الى ظهور الفقاعة البحثيةالتى ينعدم مع وجودها أى ابتكار وأى ريادة لأى أعمال. ولن يكون هناك أى ابتكار أو ريادة أعمال الا باللجوء الى الكيف الذى غاب عن الكثير والكثير من المخطوطات البحثية والمشاريع العلمية. والكيف لن يكون هو الأخر الى بالمنع القوى والتغلب الحقيقى على الفقاعة البحثية والقضاء الفعال على كل أسبابها ومقوماتها.
أما الأثار السلبية الناجمة عن الفقاعة البحثية وطغيان غثاء الكم يمكن سردها فى النقاط التالية: (أولا) تكدس الأبحاث غير المبتكرة: يؤدي ذلك إلى وجود الكثير من الدراسات التي تعتمد على التكرار أو تحسينات سطحية، مما يقلل من قيمة البحث العلمي ويزيد من الفوضى في المكتبة العلمية. (ثانيا) قلة الابتكار والتجديد: البحوث التقليدية غير المبتكرة قد لا تساهم بشكل كبير في دفع المجال العلمي إلى الأمام، وتكون غالبًا تكرارًا أو تحسينًا محدودًا للأعمال السابقة. (ثالثا) صعوبة التميز والتفرد: في ظل وجود الكثير من الأبحاث التقليدية، قد يصعب تمييز العمل البحثى أو الحصول على اعتراف واسع به، خاصة إذا لم يكن يضيف جديدًا أو يبتكر شيئًا فريدًا. (رابعا) الاعتماد على المعرفة السابقة: قد تكون الأبحاث أكثر استنادًا على المعلومات والنظريات المعروفة، مما يقلل من فرص الإبداع أو الحلول الجديدة للمشكلات. (خامسا) صعوبة التنافس على التمويل والمنح: الأبحاث غير المبتكرة غالبًا ما تكون أقل جاذبية للتمويل أو الدعم من المؤسسات البحثية أو الصناعية، التي تبحث عن حلول مبتكرة وجديدة. (سادسا) الانتقادات الأكاديمية: قد تواجه انتقادات من المجتمع العلمي أو المشرفين إذا كانت الأبحاث تتسم بضعف الابتكار أو تكرار الأدبيات بشكل كبير. (سابعا) قلة التأثير العملي: الأبحاث التقليدية غالبًا ما يكون لها تأثير محدود على التطوير التكنولوجي أو التطبيقي، مما يقلل من مدى فائدتها في المجتمع أو الصناعة. (ثامنا) الاستمرارية في المجال: الاعتماد على بحوث غير مبتكرة قد يصعب من تطوير مسارك المهني أو الترقية، خاصةً إذا كانت الأبحاث لا تميز صاحبها عن غيره. بالرغم من أهمية الأبحاث التقليدية ذات الافكار الأصلية الابداعية في بناء المعرفة، فإن التركيز على الابتكار والإضافة الجديدة هو ما يعزز من قيمة البحث العلمي ويحقق المكاسب الكبيرة.
فى حين نجد الكيف يركز على الجودة والتأثير، وهو مؤشر على القيمة العلمية والابتكار، ولكن يصعب قياسه بدقة، ويتطلب وقتًا وجهدًا أكبر، بالإضافة إلى أن التقييم غالبًا يكون أكثر ذاتية. الكيف ان لم يكن رفيق الكم الحقيقى من البداية، فانه يجب أن يكون هو أحدى مراحل وجوهر عملية الانتشار العلمى. فالابتكار فى الكيف، وريادة الأعمال لم ولن تنطلق الا من الكيف، هذا مع ضرورة وحتمية توافر كل مقومات التوازن الطبيعى بين الكيف والكم الحقيقى.
لذا فان المفتاح الذهبى في منظومة البحث العلمي، لن يكون الا فى تحقيق التوازن بين الكم الحقيقى والكيف ، بحيث يتم تعزيز الإنتاج العلمي بكميات قائمة على توافر الافكار الابداعية وعدم تكرارها مع الحفاظ على مستوى عالٍ من الجودة والابتكار، لتحقيق نتائج ذات فائدة علمية ومجتمعية حقيقية.



