
كل انسان ينمو في سياق محيط معين، واذا لم يكن هذا السياق سليما فانه من المحتمل جدا أن يكون النموّ غير سليم.مثال على ذلك هو الطفل “فيكتور”، الذي تم ايجاده في عمر 12 عاما بعد أن قضى سنيه الماضية في الغابة فتبنّى سلوك الحيوانات، أو الطفلة “جيني” التي تم احتجازها في غرفة صغيرة مدة 13 عاما، فأصابها ذلك باعاقة جسدية واجتماعية تامة. في الحقيقة من غير المؤكد اذا ما كان هذين الطفلين قد عانا منذ ولادتهما من اعاقة معينة، ولكن هاتين الحالتين تشيرا بطريقة أو بأخرى الى أهمية الاحتكاك مع المحيط على عمليّة النموّ. أيضا شحّ مبكر في التعرّض للمحيط، كما الحياة في دور الأيتام، حيث يكون فيها الطفل في القسم الأكبر من أوقات طفولته قد أمضاها وحيدا، يضرّ في عملية النموّ وخصوصا في بناء علاقات مع أبناء نفس الجيل مدى الحياة.
أيضا ليس فقط من يعاني من شحّ في الاحتكاك مع المحيط يتأثر من السياق، بل من لا يعاني من هذا الشحّ تجده متأثرا بمحيطه الذي يعيش، كما نرى في “السياق الثقافي”، فالأطفال الذي يتربون في سياقات ثقافية مختلفة تجدهم يطوّرون مواصفات شخصية، علاقات ذهنية واجتماعية مختلفة.بالاضافة الى أنه أيضا داخل نفس السياق الثقافي هناك ظروف حياتية مختلفة تؤثر على عمليّة النموّ الخاصة بالطفل.
السياق الأول: السياق البيولوجي
الصيغة البيولوجية الخاصة بالطفل مكونة من ثلاث مركبات أساسية:
1) الميراث “التطوري” لكافة البشر: الصفات المشتركة للبشر والتي تولّدت في عملية “التطور”. الميرات التطوري هذا يتضمّن خطّا زمنيا فيما يتعلق بفعاليات مختلفة في النموّ، والحقيقة أن الخط الزمني هذا يتقدم بصور مختلفة انما هو دليل على التأثير القوي للوراثة. الميل البيولوجي الأساسي هو الميل الى اختبار المحيط بدلا من اعتماد رد فعل خامل، وبناء على ذلك يؤخذ بالحسبان “ميل التعلم” الأساسي الموجود لدى الانسان. المهارة الأساسية في التعلم هي موروثة، ولكن فيما يتعلق بمالذي سيتعلمه الطفل مرتبط في قسم منه بمستوى النموّ لديه. ميل أساسي آخر لدى الانسان، هو أن يكون اجتماعيا وبناء علاقات مع الناس.
2) الجينات الموروثة لدى الطفل: لكل طفل هناك تركيبة جينية مختلفة التي تشكل سياق بيولوجي مختلف عن الآخرين. هذه الفروق تؤثر بصورة مباشرة أو بأخرى غير مباشرة على عمليّة النموّ.
3) نتائج التفاعل المتبادل بين الجينات الموروثة والمحيط: الصيغة البيولوجية لدى الطفل تتضمن ميزات التي نتجت في قسم منها عن عوامل من البيئة المحيطة، مثل صحّة الأم، تغذيتها وسلوكياتها أثناء الحمل. أيضا بعد الولادة فان الطفل يستمر في التأثر بيولوجيا من عوامل ك: السموم، الأمراض والتغذية. باحثو النموّ يفحصون بالعادة كيف تقيّد الجينات أو تكبح تأثير المحيط على صفات معيّنة، ما يسمّى ب”الاستنفاذ”. هناك صفات “مستنفذة” منذ الولادة كالقدرة على الكلام (كل الرضّع يبدؤون في التحدث في جيل محدد دون أي علاقة بالتأثيرات المحيطة).
تصرفات أخرى مثل المهارات الاجتماعية، خاضعة بصورة أكبر لتأثيرات المجتمع المحيط. تصرفات أخرى هي ذات أساس جيني ضعيف ولذلك من الممكن أن تتشكّل، بمعني تستنفذ، في بداية الطفولة ولكن في مراحل متأخرة أكثر يكون من الصعب تغييرها أو التأثير فيها (مثل الميل للغضب السريع أو الحذر). من الممكن أن يحدث استنفاذ جيني قوي في جيل مبكر وكلما تأخر الاستنفاذ مع ازدياد العمر فان التأثير الخارج من المجتمع المحيط يكون أقوى ويصير الأطفال أكثر تأثرا بالتجارب التي يخوضونها. مثال على ذلك: دخول طفل لم يتعدّ عمره ال4 أشهر الحضانة، بالتقريب فانه لن يؤثر عليه مما يعني أن الجينات هي المسؤولة بالكامل في هذه المرحلة، ولكن من بعد ال4 أشهر فسيكون تأثير كبير للحضانة عليه. بشكل عام فان هناك دائرة التي يؤثر فيها تجارب الطفل على الصيغة الجينية لديه، والنموّ البيولوجي لدى الطفل تخلق تصرفات جديدة ومنها تجارب جديدة أخرى.
مترجم بتصرف عن محاضرات في علم نفس النموّ


