الرؤية الحديثة للترقية العلمية

البروفيسور " نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

لم تعد الترقية إلى الدرجات العلمية الأعلى مجرد استحقاق زمني أو حصيلة عددية لبحوث منشورة في دوريات أكاديمية، بل أصبحت ضرورة استراتيجية لإعادة توجيه منظومة التعليم العالي والبحث العلمي نحو خدمة التنمية الشاملة وحل المشكلات الواقعية. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى تبنّي مسارات بديلة للترقية العلمية، تتجاوز النماذج التقليدية، وتعتمد بصورة أساسية على البحوث التطبيقية ذات الأثر المباشر.

يهدف نظام الترقية القائم على البحوث التطبيقية إلى الاعتراف بالدور الحقيقي للباحث في تحويل المعرفة إلى قيمة مضافة، وفي ربط البحث العلمي باحتياجات الدولة والقطاعات الإنتاجية والخدمية. فالتركيز الحصري على النشر الأكاديمي، رغم أهميته، لا يعكس بالضرورة قدرة الباحث على الابتكار أو حل المشكلات أو نقل التكنولوجيا.

كما يهدف هذا المسار إلى تحفيز الباحثين العاملين في المراكز والهيئات البحثية، والقطاعات التطبيقية، على تطوير حلول عملية، ونماذج تشغيلية، وتقنيات قابلة للتطبيق، بما يضمن عدم إقصائهم من فرص الترقية بسبب طبيعة عملهم غير التقليدية.

تنطلق الرؤية الحديثة للترقية العلمية من مبدأ “الأثر قبل الكم”، بحيث يُقاس التميز العلمي بمدى مساهمة البحث في: حل مشكلات قومية أو صناعية أو بيئية،  وفى تطوير منتج أو تقنية أو خدمة، وفى دعم سياسات عامة أو تحسين أداء مؤسسي، وفى نقل أو توطين التكنولوجيا، وفى تحقيق عائد اقتصادي أو اجتماعي قابل للقياس.

وتقوم هذه الرؤية على تقييم شامل متعدد الأبعاد، لا يقتصر على النشر، بل يشمل براءات الاختراع الابتكارية، والنماذج الأولية، والمشروعات التطبيقية، والدراسات الاستشارية الموثقة، والتقارير الفنية المعتمدة، والشراكات مع الصناعة، بما يتسق مع المعايير الدولية الحديثة.

تُعد الترقية خارج المسارات التقليدية أداة فاعلة لإعادة توجيه البوصلة البحثية نحو الابتكار والتنمية المستدامة. فهي تُشجع الباحث على الانخراط في مشروعات طويلة الأمد ذات مخاطرة علمية محسوبة، وتُعزز العمل البحثي الجماعي متعدد التخصصات، وتدعم الانتقال من البحث النظري إلى البحث الموجه بالتطبيق. كما تسهم هذه الترقية في خلق بيئة علمية أكثر عدالة وتنوعًا، تعترف باختلاف طبيعة التخصصات وتعدد أنماط الإنتاج العلمي، وتُكرّس مبدأ تكافؤ الفرص بين الباحثين داخل الجامعات وخارجها.

ترتبط الترقية إلى الدرجات العلمية الأعلى، في هذا المسار، بمسؤولية مضاعفة تجاه المجتمع والدولة؛ إذ يصبح الباحث شريكًا في التنمية، ومسؤولًا عن توظيف خبرته العلمية في تقديم حلول عملية، والمشاركة في صناعة القرار، ودعم الاقتصاد القائم على المعرفة. ولا تُعد الدرجة العلمية هنا غاية في ذاتها، بل وسيلة لتمكين الباحث من قيادة مشروعات كبرى، وبناء فرق بحثية تطبيقية، والمساهمة في صياغة سياسات علمية قائمة على الدليل.

إن ربط الترقية إلى الدرجات العلمية الأعلى بالبحوث التطبيقية خارج المسارات التقليدية يمثل تحولًا جوهريًا في فلسفة التقييم الأكاديمي، ويعكس فهمًا أكثر عمقًا لدور الباحث في العصر الحديث. فهو انتقال من منطق الترقية الشكلية إلى الترقية ذات المعنى، ومن قياس الجهد إلى قياس الأثر، بما يضمن أن يكون البحث العلمي محركًا حقيقيًا للتنمية والابتكار، لا مجرد إنتاجٍ معرفي معزول عن الواقع.


شارك المقالة
** أستاذ المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى / مصر ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** تعد كل مقالاتى وأبحاثى وكل ما حصلت عليه من براءات اختراع ، صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والأدبى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51