الدرع المغناطيسية: كيف قد تُعطّل الصين إنترنت “ستارلينك” فوق تايوان؟

عبد الكريم عوير
ستارلينك هي خدمة إنترنت فضائية عالية السرعة طورتها شركة سبيس إكس المملوكة لرجل الأعمال إيلون ماسك (وكالة الأناضول)

في دراسة جديدة نُشرت بدورية “سيستم إنجنيرينج آند إلكترونيكس”، طرح باحثون صينيون من معهد بكين للتكنولوجيا وجامعة تشيجيانغ سيناريوًا غير تقليديًا لتعطيل شبكة أقمار “ستارلينك” الصناعية فوق منطقة بحجم تايوان. الحل المقترح لا يعتمد على تدمير الأقمار بصواريخ مضادة، بل على بناء “درع كهرومغناطيسي” منعزل في السماء.

المشكلة الصينية مع “ستارلينك”

تضم شبكة “ستارلينك” التابعة لشركة “سبيس إكس” أكثر من 8 آلاف قمر صناعي في المدار الأرضي المنخفض، وهي مصممة لكونها نظامًا مرنًا وعصيًا على التشويش. يمكن للأقمار تغيير تردداتها وأنماط إرسالها برمجيًا وبسرعة من مركز التحكم في الولايات المتحدة، وهو ما ظهر جليًا خلال الحرب في أوكرانيا.

من منظور صيني، يمثل هذا تحدياً مزدوجاً:

  1. اعتماد تايوان الرقمي: تعتمد الجزيرة التي تعتبرها الصين جزءاً من أراضيها بشكل كبير على البنى الرقمية والاتصالات.
  2. مضاعف القوة: تُرى “ستارلينك” في الأوساط البحثية الصينية ليس فقط كمشروع إنترنت تجاري، بل كأداة قد تعزز القدرات العسكرية والاتصالية للخصم المحتمل، على غرار دورها في أوكرانيا.

كيف يعمل السيناريو المقترح؟

بدلاً من استهداف الأقمار نفسها، يقترح الباحثون نشر شبكة ثلاثية الأبعاد مكونة من 1000 إلى 2000 منصة تشويش (طائرات مسيرة أو بالونات عالية الارتفاع) تحلق على ارتفاع حوالي 20 كيلومتراً في طبقة الستراتوسفير.

آلية التشويش المزدوجة:

  1. تشويش “عريض الحزمة”: يبث ضجيجًا كهرومغناطيسيًا عبر نطاق ترددي واسع، لرفع مستوى الضوضاء العامة وخلق “سقف ضجيجي” فوق المنطقة المستهدفة، مما يحدّ من قدرة الشبكة على المناورة بين الترددات.
  2. تشويش “ضيق الحزمة”: يركّز الطاقة على ترددات أو قنوات محددة تستخدمها “ستارلينك” بشكل شائع، لإضعاف الإشارة المستهدفة بدقة أكبر وبطاقة أقل.

وفقًا للنموذج الحسابي الذي استخدم بيانات حركة حقيقية لأقمار “ستارلينك”، يمكن لكل وحدة تشويش قوية تعطيل الاتصال في مساحة تصل إلى 38.5 كيلومترًا مربعًا. وبالتالي، فإن تغطية مساحة تايوان (~36 ألف كم²) تتطلب ما لا يقل عن 935 مشوّشًا عالي القدرة.

التحديات العملية: لماذا الصعوبات أكبر مما تبدو؟

رغم أن المحاكاة تُظهر إمكانية نظرية، فإن التنفيذ على أرض الواقع يواجه عقبات جوهرية:

  • الديناميكية والتكيّف: تتمتع “ستارلينك” بقدرة عالية على التكيّف. كما حدث في أوكرانيا، يمكن لـ”سبيس إكس” تعديل برمجيات الأقمار والمحطات الأرضية بسرعة لتغيير الترددات أو تعزيز خوارزميات تصحيح الأخطاء، مما يجعل أي نمط تشويش ثابت يفقد فاعليته مع الوقت.
  • التعقيد اللوجستي: نشر وتنسيق وإدامة أسطول من ألفي منصة تشويش على ارتفاعات شاهقة، وتزويدها بالطاقة والاتصال، مهمة شاقة للغاية. أي خلل أو عطل فني قد يفتح ثغرات في “الدرع”.
  • الضعف أمام الدفاعات: تفترض المحاكاة غياب الدفاعات الجوية النشطة. في سيناريو حقيقي، يمكن لإجراءات مضادة مثل إسقاط هذه المنصات أن تقوض الشبكة بسرعة.
  • كفاءة الهوائيات: تستخدم محطات “ستارلينك” الأرضية هوائيات ذكية موجهة إلكترونيًا، قادرة على تشكيل حزم ضيقة تجاه القمر الصناعي وتقليل استقبال الضجيج من الزوايا الأخرى.

الخلاصة: بين المحاكاة والواقع

ما قدمته الدراسة الصينية يبقى في إطار المحاكاة الحاسوبية والنظرية، وليس خطة معتمدة أو مُنفّذة. وهو يعكس اتجاهًا في التفكير العسكري-التقني نحو مواجهة التهديدات الناشئة من الأبراج الصناعية الضخمة في الفضاء.

التحدي الحقيقي يكمن في سباق التكيّف: فالقدرة على خلق درع تشويش ديناميكي وواسع النطاق تواجهها قدرة مماثلة على تحديث البرمجيات وإعادة التكوين الطيفي للشبكة الفضائية. الفائز في مثل هذا الصراع سيكون من يتمكن من التعلم والتكيّف بشكل أسرع.

يبقى الانتقال من النموذج النظري إلى التجربة الميدانية أو التطبيق العملي هو الخطوة الحاسمة التي ستحدد جدوى هذا السيناريو في أي مواجهة مستقبلية.

شارك المقالة
متابعة:
مؤسس مجلة نقطة العلمية و رئيس تحريرها