ملخص: تكشف الأبحاث العلمية الحديثة عن آلية خطيرة تؤثر فيها الجسيمات البلاستيكية الدقيقة (Microplastics) سلباً على قدرة المحيطات على عزل ثاني أكسيد الكربون، مما يهدد بتسريع وتيرة التغير المناخي.
مقدمة: المحيطات كدرع مناخي
لطالما اعتبر العلماء المحيطات بمثابة “بالوعة كربون” (Carbon Sink) عملاقة، حيث تمتص ما يقرب من ثلث انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن الأنشطة البشرية. تعتمد هذه العملية بشكل كبير على ما يُعرف بـ “المضخة البيولوجية للكربون” (Biological Carbon Pump)، وهي عملية حيوية يتم فيها نقل الكربون من سطح المحيط إلى أعماقه السحيقة ليتم تخزينه لقرون. إلا أن دراسات حديثة تشير إلى أن التلوث البلاستيكي قد يعطل هذه الآلية الطبيعية الدقيقة.
دور العوالق في عزل الكربون
تبدأ القصة مع العوالق الحيوانية (Zooplankton)، وهي كائنات بحرية صغيرة تتغذى على الطحالب المجهرية (العوالق النباتية) التي تمتص الكربون عبر التمثيل الضوئي. بعد عملية الهضم، تفرز العوالق الحيوانية فضلاتها على شكل “كريات برازية” (Fecal Pellets).
في الظروف الطبيعية، تكون هذه الكريات كثيفة وثقيلة بما يكفي لتغرق بسرعة نحو قاع المحيط، آخذة معها الكربون المحتجز بعيداً عن الغلاف الجوي. تُعد هذه الكريات “مركبات سريعة” لنقل الكربون إلى الأعماق.
كيف يُعطل البلاستيك هذه الآلية؟
تكمن المشكلة في أن العوالق الحيوانية تلتهم الجسيمات البلاستيكية الدقيقة عن طريق الخطأ، ظناً منها أنها غذاء. وقد أظهرت الدراسات التأثيرات التالية عند حدوث ذلك:
- تغيير الكثافة والطفو (Density and Buoyancy): تتميز العديد من أنواع البلاستيك (مثل البولي إيثيلين والبولي بروبيلين) بكثافة منخفضة مقارنة بالمواد العضوية. عندما تندمج هذه الجسيمات داخل الكريات البرازية، فإنها تجعلها أخف وزناً وأكثر قابلية للطفو.
- بطء معدل الغرق: نتيجة لانخفاض الكثافة، تغرق الكريات المحملة بالبلاستيك ببطء شديد. هذا التباطؤ يمنح البكتيريا وقتاً أطول لتحليل الكريات وهي لا تزال قريبة من السطح، مما يؤدي إلى تحرر الكربون مرة أخرى إلى الماء ومنه إلى الغلاف الجوي، بدلاً من استقراره في القاع.
- تفكك الكريات (Structural Integrity): يؤدي وجود البلاستيك داخل فضلات العوالق إلى إضعاف بنيتها الهيكلية، مما يجعلها تتفتت بسهولة أكبر قبل وصولها إلى الأعماق.
التداعيات المناخية والبيئية
يشير العلماء إلى أن هذا التدخل في دورة الكربون قد يحمل عواقب وخيمة على النماذج المناخية العالمية. فإذا ضعفت كفاءة “المضخة البيولوجية”، فإن كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون ستبقى في الغلاف الجوي بدلاً من أن تُحبس في قاع المحيطات.
يقول الباحثون القائمون على هذه الدراسات: “إن الجسيمات البلاستيكية لا تلوث المياه فحسب، بل إنها تعبث بالآليات الفيزيائية والبيولوجية الأساسية التي تنظم مناخ كوكبنا”.
الخلاصة
إن اكتشاف دور الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في إعاقة عزل الكربون يضيف بُعداً جديداً ومقلقاً لأزمة التلوث البلاستيكي. لم يعد الأمر مقتصراً على الضرر المباشر للحياة البحرية، بل يمتد ليشمل تقويض قدرة الكوكب الذاتية على التخفيف من حدة الاحتباس الحراري، مما يستدعي تحركاً دولياً عاجلاً للحد من تدفق البلاستيك إلى البيئة البحرية.
مصطلحات علمية وردت في النص:
- Microplastics: الجسيمات البلاستيكية الدقيقة (أقل من 5 ملم).
- Biological Carbon Pump: المضخة البيولوجية للكربون (العملية الحيوية لنقل الكربون لأعماق المحيط).
- Carbon Sequestration: عزل/احتجاز الكربون.
- Zooplankton: العوالق الحيوانية.
- Fecal Pellets: الكريات البرازية (الوسيلة الناقلة للكربون).



