التنويم الذاتى ومأساة الروح

البروفيسور " نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

الانتظار فى كثير من الأحيان، هو حالة إنسانية تتكرر عبر العصور، وهو تجربة تتداخل فيها متفاعلات مشاعر الأمل، الخوف، والترقب، لتفرز لنا فى النهاية لا شئ. حيث يخرج الإنسان نفسه من حاضر يعيشه الى مستقبل لا يعلمه الا الله تعالى، ويحيط هذه النفس بغيوم من الشك والتوقع، ويضعها في مكان غير متأكد من نتيجته.  الانتظار، كما يتخيله البعض، رحلة النفس بين الصبر والوجود، فى حين أنه ليس فعل صبر ولكنه نظام حياة، وايقاع خفى تسير فيه الحضارات كلها. يُعد الانتظار لحظة فاصلة تفتح أمام الإنسان أبواب التأمل في معاني الوجود، وتكشف عن أبعاد النفس الإنسانية، كما عبر عنها العديد من المفكرين والأدباء.

يقول الكاتب الروسي أنطون تشيخوف: “الانتظار هو أصعب أنواع العذاب، لأنه يختبر صبر الإنسان ويكشف عن مدى قوته في مواجهة عدم اليقين.” فالتشاؤم أو التفاؤل يتوقفان على مدى قدرة الإنسان على الصمود في لحظة الانتظار، حيث يختبر الإنسان نفسه ويكتشف عمق إحساسه بالمعنى في حياته. كما يخبرنا تشيخوف بما هو أعمق من الوهم ” أن الناس لا يعيشون بل ينتظرون شيئا ما ، عملا، حبا، أو سفرا، وبين هذه الانتظارات تضيع الحياة. هذا ليس اتهاما بالكسل والتراخى بل بالغياب والهروب من الواقع الذى يجب أن يعيشه الانسان الذى لا يهزم بالموت بل بالتأجيل والانتظار. أن يرجئ الانسان وجوده الى لحظة قادمة لا تأتى أبدا، وأن يؤمن أن الحياة الحقيقة تبدأ غدا، بينما الغد لا وجود له الا فى الكلمات واللغة، تلك هى مأساة الروح.  

أما الفيلسوف الألماني هايديغر، فقد رأى أن الانتظار هو جوهر الوجود الإنساني، إذ يقول إن الإنسان لا يُعرف إلا من خلال انتظاره للمستقبل، فالانتظار يعبر عن علاقة الإنسان بالزمن، وهو وضع وجودي يبرز فاعلية الإنسان في خلق معناه الذاتي. ففي كتابه “الوجود والزمان”، يوضح هايديغر أن الإنسان ينتظر دائمًا شيئًا، وهو في ذلك يثبت وجوده ويؤكد هويته، إذ إن الانتظار يربط بين الحاضر والمستقبل ويجسد علاقة الإنسان بمروره عبر الزمن. هذا يؤكد على أن الانسان كائن ملقى فى العالم، محكوم بالزمن، يسعى دائما الى مستقبل لا يبلغه، وليس فى هذا خلاصا بل مأساة نفسية شديدة.  

أما الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، فقد أكد أن الانتظار هو حالة من حالات اللامعنى والفراغ، حيث يرى أن الإنسان في لحظة الانتظار يكون عاجزًا عن الفعل الحقيقي، ويشعر بأنه محاصر بين رغباته وقيوده الوجودية. يقول سارتر: “الانتظار هو نوع من العدم، وهو يختبر إرادة الإنسان في أن يصنع مستقبله ويتحمل مسؤولية وجوده.” فبالنسبة له، فإن الانتظار يتطلب من الإنسان أن يتحدى الفراغ ويخلق لنفسه معنىً في عالم يفتقر إلى المعنى المسبق. وفى ذلك، العيش فى السوء الايمانى من خلال تأجيل الذات الى نسخة قادمة، فنحيا فى المستقبل لكننا نموت فى الحاضر. نحن نملأ حياتنا بالانتظار كى نهرب من ثقل الحاضر، فى حين نجد أن الحاضر هو الشئ الوحيد الذى نملكه حقا.  

في النهاية، الانتظار هو تجربة وجودية معقدة تتداخل فيها أبعاد الصبر، والمعنى، حيث يكشف عن عمق علاقة الإنسان بزمنه ووجوده. وعلى الرغم من إنه لحظة تمحيص للذات، الا أنه يعد نوع من التنويم الذاتى، و وعد مسكن يخفى بين طياته هشاشة الكينونة. الانتظار بهذا المعنى، هو عبادة خفية للعدم، لأن من ينتظر انما يضيع معنى وجوده فى زمن لم يوجد بعد.

شارك المقالة
** أستاذ المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى / مصر ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** تعد كل مقالاتى وأبحاثى وكل ما حصلت عليه من براءات اختراع ، صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والأدبى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51