عندما تذهب بمعولك لحرث أرض اللغة العربية والانتقال بين كلماتها الرقراقة وتغوص بين أعماق حروفها الرنانة، لابد لك أن تعرف وتدرك وتعى تاريخ وجغرافيا استعمال ووضع النقط مع الحروف.
فقاطرة تاريخ تنقيط الحروف بدأت من منتصف القرن الأول الهجرى الذى استمرت قبله الحروف العربية بشكلها غير المنقوط وغير المشكل. وفى عام 67 هجرى ووسط حضارة وجغرافيا العراق العريق وبأمر من أمير العراق زياد، استعان أبو الأسود الدؤلى بعلامات كان يستعملها السريان للدلالة على الرفع والجر والنصب، وللتمييز بها بين الاسم، والفعل، والحرف وذلك لضبط كلمات القرآن الكريم، حيث قام بوضع نقطة فوق الحرف لتدل على الفتحة، ونقطة تحت الحرف لتدل على الكسرة، كما وضع نقطةً على يسار الحرف للدلالة على الضمة، ونقطتين فوق الحرف، أو تحته، أو على يساره للدلالة على التنوين، وكان يترك الحرف الساكن خالياً من النقاط، ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذا الضبط لم يكن يُستعمل إلّا في المصحف فقط.
وبوصول قاطرة التاريخ الى القرن الثاني من الهجرة قام الخليل بن أحمد الفراهيدي بوضع طريقة أخرى ومختلفة لتنقيط الحروف، حيث كانت طريقته بجعل ألف صغيرة مائلة فوق الحرف للدلالة على الفتحة، ووضع ياء صغيرة تحت الحرف للدلالة على الكسرة، وتوضع الواو الصغيرة فوق الحرف لتدل على الضمة، أمّا في حالة التنوين فيتمّ تكرار الحرف الصغير، وبعد ذلك تطورت الطريقة حتّى وصلت إلى ما هي عليه اليوم. حيث أُجري تنقيط الحروف في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وقام بذلك نصر بن عاصم الليثي، ويحيى بن يعمر العدواني، حيث قاما كليهما بترتيب الحروف الهجائية بهذه الطريقة الشائعة في يومنا هذا، وأهملا ترتيب الحروف الأبجدية على الطريقة القديمة (أبجد هوز).
ولكن يا هل ترى ما هو الداعى والسبب الذى أدى الى الانتقال من مرحلة اللاتنقيط الى تنقيط الحروف؟، انها قاطرة التاريخ وجغرافيته التى أدت إلى اختلاط العرب بالأعاجم، وظهور اللحن باللغة العربية. الأمر الذى خشي معه العلماء أن يستمر هذا اللحن، ويتجاوزه إلى القرآن الكريم، فلجؤوا إلى ضبط اللغة العربية من الناحية النحوية والإملائية، وذلك من خلال تشكيل أواخر الكلمات، كما قاموا بضبط حروف اللغة العربية عن طريق تشكيلها، وتنقيطها، وذلك من أجل أن يذهب الالتباس والخطأ بين الأحرف المتشابهة.
وفى السحق البعيد من المكان والزمان فهم عباقرة اللغة العربية حروفها دون تنقيط، اتقنوا وتبارزوا بسيوف ورماح الحروف العارية من نقاطها المستحدثة، وبعد الاختلاط وظهور اللحن وهبوط النقاط فوق حروفها زالت غمى الالتباس والخطأ حتى وصلت قاطرة التاريخ بنا الى تقسيم جغرافى هزيل أفقد الحروف قوتها ودلالتها. تشكلت بحور وأنهار الحروف بأشكال مختلفة واحتوت مياة هذه البحور والانهار الكثير من الكائنات البحرية النافقة، وعلت الحروف فوق نقاطها مع غياب كل دلالة وأثر.
فحقيقة الأمر أن سقوط النقاط من فوق حروفها واختبائها تحت مخالبها أدى الى فقد الوعى والادراك وضآلة العقول وخفة وزن القلوب وانصياعها وراء هوى النفس الذى جاء لنا بأفعال وأقوال لا طائل منها غير أنها لا تغنى ولا تسمن من جوع.
فعندما تحمل النقاط حروفها فوق رؤوسها، يكون سقوط المعنى والهدف أمر حتمى يفرض نفسه على واقع مهتز فى صورته وغير متزن فى طبيعته. ان تأرجح الحروف فوق النقاط قد ادى بنا الى ظهور كلمات غريبة وبعيدة كل البعد عن حضارتنا العريقة التى بنيت عليها كل الحضارات، تأرجح ظهرت ملامحه فى سعينا وراء مظاهر الأشياء والبعد عن جوهرها مع ثبوت ما يسمى بظاهرة لحظية اللقطة التى هى آفة التنقيط تحت الحروف.
التنقيط تحت الحروف هو كارثة كل الكوراث، حيث لا تقوم قائمة لأى حرف أو كلمة أو فعل بوضع النقاط تحت الحروف، كما أنه سعى وراء ظاهرية الأمور لحفظ ماء الوجوه التى تدعى سعيها وراء حق أريد به باطل. ومن ثم ان لم نعيد النقاط فوق تاج رأس حروفها فلن تقوم لنا قائمة لأن قيمة الأشياء من أقول وأفعال تكمن فى تقاليدها الأصيلة ومبادئها العريقة.



