الانتداب الجزئى : بين مطرقة السلطة المختصة وسندان الواقع والقوانين المنظمة

البروفيسور " نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz
????????????????????????????????????????????????????????

يعد الانتداب فى حد ذاته قنطرة اتصال وتعاون بين الجهات المعنية به. تتنوع أنواع هذا الانتداب طبقا لطبيعته، فنجد الانتداب الكلى أو الجزئى طبقا للانتداب خارج المؤسسة أو الجهة كل الوقت أو بعضه، كما نجد كليهما فى كل من الانتداب الخارجى أو االداخلى طبقا للانتداب داخل المؤسسة أو خارجها. الندب الجزئي يختلف عن الندب الكلي، حيث أن الندب الجزئي لا يستدعي التفرغ التام، ويقوم فيه الموظف بأداء مهام وظيفته الأساسية بالإضافة إلى مهام الوظيفة المنتدب إليها.   وسوف نتاول فى هذه الاقصوصة بعض ما يخص الانتداب أو الندب الجزئي لعضو هيئة التدريس/البحوث الى الجامعة أو الى غيرها. هذا الانتداب الجزئى يستند الى إجراء يسمح للجامعة أو المؤسسة التعليمية أو البحثية بنقل أو إلحاق عضو هيئة التدريس/البحوث مؤقتًا إلى جهة أخرى أو إلى قسم معين داخل نفس المؤسسة، وذلك لأغراض محددة، مثل مشاركة في مشروع بحثي، أو تدريس في قسم آخر، أو تقديم خدمة أكاديمية معينة، مع استمرار عضويته في المؤسسة الأصلية. ويكون الانتداب عادة لفترة زمنية محددة، ويهدف إلى تعزيز التعاون، وتطوير الخبرات، وتحقيق مصلحة أكاديمية أو بحثية مشتركة.

وأمام مطرقة السلطة المختصة المانحة للانتداب الجزئى وسندان الواقع والقوانين غير الواضحة والمتعلقة بهذا الانتداب، يقع المنتدب والجهة الراغبة فى هذا الانتداب فريسة لرؤية الجهة أو المؤسسة المانحة. وتزداد الفريسة ضعفا عند طلبها الانتداب الى جهتين او أكثر، ويزداد الأمر تعقيد عندما تتمتع الجهة المانحة بكامل السلطة ” السلطة المطلقة” دون الرجوع الى العقل أو المنطق أو الوعى أو الادراك الذى ان توفر أى منهم فى الجهة المانحة كانت الأمور أكثر يسرا وتنفيذا للمفهوم الحقيقى للقوانين المنظمة مع التنفيذ الواعى لما ابتغاه المشرع فى تشريعه للانواع المختلفة من انواع الانتداب.

بعد الفحص والتمحيص، وجد أن بعض الجهات تمنح المنتدب عدد 2 يوم انتداب جزئى لنفس الجهة المنتدب لها دون أى تأثير على مستحقاته الادارية والمالية فى مؤسسته الأصلية، فى حين ترفض نفس الجهة المانحة هذا الأمر عند طلب تقسيم هذه الأيام بين جهتين مختلفتين. منطق خالف المنطق وادراك خالف الادراك، فبأى منطق؟ نمنح هذه الايام للانتداب لجهة واحدة ونرفضه لجهتين مختلفتين، وبأى ادراك نفعل هذا؟ ولا ندرك الرؤية والرسالة والهدف من الانتداب. تميز و تمايز  وتفرقه لا تحتوى على أى معنى حقيقى، بل وافتقاد لكل وعى وادراك. حوارية الأشياء فى هذا الانتداب لا تنصب على مدى سلطة الجهة المانحة فى مدى احتياجها الى عنصرها المنتدب ومنعه لحاجة العمل، لأن الموافقة أصبحت قائمة ولكنها مشروطة بشروطها الكائنة فى وحدة الجهة الراغبة فى الانتداب. ان المعيار الحقيقى لكل الأشياء والذى يتمثل فى العقل والمنطق يرفض وبقوة هذا التميز فى الموافقة على الانتداب لجهة واحدة، وانعدامه لجهتين مختلفتين.

وفيما يخص النص وطبقا لما جاء به القانون رقم 49 لسنة 1972م بشأن تنظيم الجامعات المصرية، قد أدلت المادة 84 من هذا القانون بدلوها وسكبت بماء بارد على نيران اللاوعى وبراكين الادراك المنعدم، هذا عندما أطلقت شعاع نورها بقولها ” يجوز ندب أعضاء هيئة التدريس لمدة محددة من جامعة إلى أخرى أو القيام بعمل وظيفة أخرى بقرار من رئيس الجامعة بناء على موافقة مجلس الكلية المختصة بعد أخذ رأي مجلس القسم المختص ويعتبر الندب كل الوقت إعارة تخضع لأحكام الإعارة”. هنا لم يتطرق المشرع الى أى قيود أو محددات، وترك الأمر كاملا للسلطة المطلقة المخولة لرئيس الجهة المانحة بعد موافقة مجلس الكلية أو المعهد ومن قبلهما رأى مجلس القسم، مع الأخذ فى الاعتبار أن هذه السلطة المطلقة تخضع لسلطة ورقابة القضاء. وقد يزداد الأمر صعوبة على السلطة المختصة عندما تجد نفسها أمام انتداب جزئى فى غير أوقات العمل الرسمية كما هو الحال فى بعض المؤسسات والجهات.

لم يترك المشرع هذا الأمر فيما يخص الانتداب الجزئى، سدى ولكنه افترض وبالفطرة أن صاحب السلطة المختصة ومن يليه سوف يتحرون كامل الدقة فى أرائهم وموافقاتهم، مع تحريهم وحرصهم على المصلحة العامة و ازدراء أى وكل ذريعة قد تفقدنا كل هدف أو غرض من هذا الانتداب. سعى المشرع جاهدا فى مسعاه إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات كى تتكامل فيما بينها، مرسخا فى هذا الأمر على دفع وتطوير الخبرات فيما بين هذه المؤسسات لتحقيق مصلحة أكاديمية أو بحثية مشتركة.

حتى وان جاء النص التشريعى، بضرورة أن يكون الانتداب الى وحدة واحدة أخرى، فهو لحرصه على جهد ووقت الشخص المنتدب. هذا على الرغم من عدم منطقيته بالنسبة لمن يرغب فى توزيع أيام انتدابه على جهتين، لما فى هذا من فوائد متعددة. وقد يكون فى التحديد المفتعل حول عدم امكانية الانتداب الجزئى الى جهتين مختلفتين، عدم وعى أو غياب ادراك من الجهة التنفيذية فيما يخص  الوحدة الواحدة الأخرى ، التى قد تكون فى نفس الجهة.  هذا الغياب الادراكى، يتيح للسلطة المانحة سعة في اتخاذ القرار بالموافقة على الانتداب، للتيسير في تطبيق النص، ومنع الوقوع في ضيق وحرج.

أما ما يخص رأى القسم المختص الذى قد يعتقد بعض أعضاؤه عديمى الخبرة العلمية والادارية أنه أمر فنى، فقد خالفهم حظهم العثر لأن الأمر برمته لن يخرج عن أنه أمر شكلى لا يرتبط باى رابطة بموضوع الانتداب. هذا الرأى الشكلى قد يعتمد عليه ان أصاب كبد الحقيقة وقد يعتبر هو والعدم سواء ان لم يحتد بحدوده وتعداها. وفيما يخص موافقة الكلية، فهى أيضا أمر شكلى بحت لا يتعلق بالموضوع ولكنه ورأى القسم يرتبطان بمدى كانت مهمة الانتداب في مستوى الوظيفة التي يشغلها المنتدب في المؤسسة المانحة. هذه أمور بسيطة وبديهية ولكنها غالبا ما تكون غائبة عن كل حاقد أو صاحب هوى، فقد كل وعى وادراك ومن قبلهما عقله الذى هوى ، ولا يملك غير صراخ الثكلى والأرمال، ويسعى جاهدا لتكدير السلم والأمن العام وافزاع الأخرين واثارة حفيظتهم. هذا الحاقد دائما ما يصارع طواحين الهواء بمحاولاته اليائسة لتعطيل القرار الذى يعرف أنه صادر لا محاله ولكنه يحاول أن يلفت الانتباه أو يحظى بالاهتمام من خلال مخالفته للآراء أو افتعاله لأفعال غريبة، حتى لو لم يكن لديه سبب قوي لذلك.  يسعى هذا الحاقد سعيا حثيثا وراء الشهرة أو الظهور بطريقة مختلفة عن الآخرين، حتى لو كان ذلك على حساب الصواب أو المنطق.

ولكى ترتقى المجالس وتعلو علوا كبيرا، يجب أن تفعل فيها كل القواعد والاجراءات التنظيمية التى تحفظ لها هيبتها ولا تفقدها ما يجب أن يتوفر فيها من حيادية وشفافية، لا أن تكون ساحة للصراعات وتفريغ الأحقاد دون أى عقاب أو حتى شئ من العقاب وكأن الحق أصبح غريبا بين ذباب الباطل. ومع ذباب الباطل لن تندفع عربة العلم والادارة الا الى الخلف وبقوة، وسوف تتثاقل عجلات الحق الذى قد يتوارى خلف عجز الألسنة والارتكان الى مركبة الصمت وسط بيداء جراء قاحلة. فلا وألف لا، لسلطة مختصة مفتقدة لكل وعى وادراك، ولا وألف لا، لكل رأى أو موافقة لا تدرك ماهية الرأى واستراتيجية الموافقة التى دائما ما تفقد معناها وتصبح عرجاء لابتعادها عن كل هدف أو غرض طموح.

شارك المقالة
** أستاذ المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى / مصر ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** تعد كل مقالاتى وأبحاثى وكل ما حصلت عليه من براءات اختراع ، صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والأدبى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51