ملحمة الإبداع والإبتكار

البروفيسور " نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

يُعد كل من الإبداع والابتكار من المقومات الأساسية التي تساهم في تقدم وتطور المجتمعات والمنظمات، إلا أن هناك فرقًا واضحًا بين المفهومين قد لا يستطيع البعض ادراكه. إن الإبداع هو البذرة، وهو يأتي من رحم الواقع، بينما الابتكار هو الثمرة التي يجب أن تتفاعل مع الحياة، وتُعطي نتائج ملموسة تُسهم في تقدم وتطور المجتمع. والإرادة الملتهبة هي التي تولد الابداع مهما كانت طبيعة الظرف، فى حين يولد الابتكار من رحم المعاناة وتحديات الحاجة والرغبة الملحة فى الاعتماد على الذات. 

الإبداع أو ابداع المعرفة هو القدرة على إنتاج أفكار جديدة وغير تقليدية، ويعبر عن التفكير الخلاق الذي يولد مفاهيم أو تصورات لم تكن موجودة من قبل. يُعد الإبداع عملية داخلية تعتمد على الخيال والخيال الواسع، ويُظهر شخصًا مبدعًا عندما يبتكر أفكارًا مبتكرة أو يكتب قصصًا فريدة، أو يرسم لوحات غير معتادة. وهو أساس الإلهام والتفكير الحر، ويُعتبر مصدرًا للأفكار الجديدة التي قد تتطلب فيما بعد التطوير والتنفيذ.

أما الابتكار أو اقتصاد المعرفة الابداعية فهو التطبيق العملي للأفكار الإبداعية، حيث يتم تحويل الأفكار المبتكرة إلى منتجات أو خدمات أو عمليات ملموسة تُسهم في تحسين الأداء أو تلبية حاجات السوق بطريقة فعالة. يتطلب الابتكار تنفيذًا واستثمارًا في الأفكار، ويهدف إلى إحداث تغييرات وتحسينات ملموسة في الواقع العملي. على سبيل المثال، تطوير تقنية جديدة أو إدخال طريقة عمل مبتكرة في المؤسسة يعتبر نوعًا من الابتكار. فالابداع قد يكمن فى فكرة إنشاء سيارة تعمل بالطاقة الشمسية ، فى حين يظهر الابتكار فى تحويل هذه الفكرة إلى سيارة حقيقية تعمل بالطاقة الشمسية، وتكون قابلة للاستخدام والتسويق.

وما بين أضلاع مثلث المفاهم التوضيحية لطبيعة وهدف ونتيجة كل من الابداع والابتكار، نستبين الأمر وتتضح حقيقة كل منهما. فمن حيث الطبيعة، نجد أن  الإبداع هو عملية فكرية وإبداعية، بينما الابتكار هو عملية تنفيذية وتطبيقية. ومن حيث الهدف، يهدف الإبداع إلى توليد الأفكار الجديدة، فى حين يهدف الابتكار إلى تحويل تلك الأفكار إلى واقع ملموس يخدم المجتمع أو السوق. ومن حيث النتيجة، ينتج  الإبداع أفكارًا غير تقليدية، بينما الابتكار ينتج منتجات أو خدمات أو طرق عمل جديدة. وبعبارة أخرى، الإبداع هو الأساس، والابتكار هو الخطوة التالية التي تجعل الأفكار الإبداعية ذات قيمة وواقعية. ولكن بدون إبداع، يبقى الابتكار مجرد فكرة نظريّة، وبدون ابتكار، يبقى الإبداع حبرًا على ورق. لذلك، الأفضل هو التوازن بين الاثنين، حيث يُعزز الإبداع من قدرة الإنسان على التفكير والتخيل، ويُعطي الابتكار فرصة لتحويل تلك الأفكار إلى أشياء ونتائج ملموسة تُفيد المجتمع.

فى الدول المتقدمة، يُعطى الابتكار أهمية كبيرة، لأنه يمثل القدرة على تحويل الأفكار الإبداعية إلى منتجات وخدمات وتكنولوجيات جديدة تساهم في النمو الاقتصادي والتقدم. الدول المتقدمة غالبًا ما تركز على تطوير أنظمة الابتكار، وتوفير بيئة محفزة للمشاريع الجديدة، وتبني تكنولوجيات حديثة، مما يجعل الابتكار هو العنصر الأكبر في دفع التطور. في الدول النامية،
قد يكون الإبداع هو الأساس، حيث يركز الكثير منها على ابتكار حلول جديدة للمشاكل المحلية، أو تطوير طرق وأساليب غير تقليدية لمواجهة التحديات. الإبداع في هذه الدول قد يكون أكثر أهمية في البداية لأنه يفتح آفاق جديدة ويضع الأسس التي يمكن أن تتطور لاحقًا إلى ابتكارات عملية.

ان لم يغلب الطابع الحماسى على ملحمة الابداع والابتكار، فلن تجد تستطيع التقاط أى ثمرة من ثمار شجرة الابتكار التى ارتوت بماء الابداع. وملحمة الابداع والابتكار فى حد ذاتها تعنى شيئا عظيما ورائعا بل ومهيبا، وتشمل بين جوانبها بطولات وانتصارت. فى حين يعنى الطابع الحماسي في الابتكار أن يكون هناك شغف وحماس قوي وارادة فولاذية تجاه تطوير أفكار جديدة وتقديم حلول مبتكرة.  هذا الشغف يدفع الأفراد والفرق إلى العمل بجدية وإيجابية لتحويل الأفكار إلى واقع، وتجاوز التحديات التي قد تواجههم في عملية الابتكار.


شارك المقالة
** أستاذ المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى / مصر ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** تعد كل مقالاتى وأبحاثى وكل ما حصلت عليه من براءات اختراع ، صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والأدبى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51