نقطة أخبار العلوم الأمن المائي وضرورة إعادة التفكير في إدارة الموارد المائية في ظل تغير...

الأمن المائي وضرورة إعادة التفكير في إدارة الموارد المائية في ظل تغير المناخ

تُعدُ سلامة الموارد المائية و الأمن المائي واستدامته من القضايا القديمة، في ظل ازدهار الحضارات على مقربة من مصادر المياه الرئيسية. ومع ذلك، على الرغم من كل التطور الاقتصادي والتقدم التكنولوجي الذي حققناه، لا يزال الوصول الآمن والمستدام للمياه الصالحة للشرب حُلمًا بعيد المنال. وبينما يستمر تزايد عدد سكان العالم، تلوح في الأفق قضايا الأمن المائي في الاقتصادات النامية والناشئة والمتقدمة على حدٍ سواء، وفي جميع المناخات، بداية من المناخ الجاف إلى الاستوائي.

وقد دق إعلان إثيوبيا في شهر مارس الماضي عن نيتها البدء في ملء خزان سد النهضة الإثيوبي الكبير اعتبارًا من يوليو 2020، أجراس الإنذار في مصر. وتعارض القاهرة هذه الخطة بسبب مخاوف من الانخفاض الهائل لكمية المياه التي يمكن لمصر الوصول إليها. وهذا فقط هو أحدث نزاع حول مياه نهر النيل، الذي يُعدُ مصدرًا ضروريًا لضمان الأمن المائي لنحو 11 دولة يتدفق النهر حولها. ولم تتوصل هذه الدول إلى اتفاقية مشتركة لإدارة مياه النهر تمنحها حقوقًا عادلةً في الوصول إلى مياه النيل. ورغم أن الجدل الدائر حول المشروع الذي تبلغ تكلفته 5 مليارات دولار، والذي يؤثر أيضًا على دولة السودان المجاورة، قد استرعى انتباه العالم، إلا أنه يمثل بؤرة واحدة فقط من عدة بؤر ساخنة أخرى حول العالم.

وفي إنجلترا، تتوقع وزارة البيئة والغذاء والشؤون الريفية بالمملكة المتحدة أن يتجاوز حجم الطلب على المياه العرض خلال الخمسة وعشرين عامًا القادمة بسبب الإفراط في استخدام المياه وتزايد خطر الجفاف بفعل تغير المناخ. وفي جنوب أفريقيا، وصلت أزمة المياه خلال الفترة من 2017-2018 في كيب تاون إلى ذروتها، مما أجبر السلطات على وقف إمدادات المياه البلدية عن المدينة. وتظهر أبحاث حديثة أن عدد حالات الجفاف طويلة الأجل في جميع أنحاء أوروبا سوف تتزايد بمقدار 7 أضعاف خلال النصف الثاني من القرن الحالي، وهو ما سيؤثر على 60٪ من جميع المناطق الزراعية في القارة، إذا استمر تراجع الجهود المبذولة للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. وفي الهند، تواجه نيودلهي والقرى المجاورة بالفعل نقصًا في إمدادات المياه خلال فصل الصيف بمعدل يصل إلى 300 مليون جالون يوميًا. ولا يحصل السكان على المياه إلا في الليل ويضطرون بشكل متزايد إلى الاعتماد على صهاريج المياه.

وتؤثر ندرة المياه، التي يمكن وصفها بعدم التوافق في التوازن بين العرض والطلب على المياه بعد حساب جميع مصادر المياه التقليدية وغير التقليدية المتاحة داخل بلد ما، فعليًا على كل ركن من أركان العالم بأشكال وبدرجات مختلفة، وهو ما يضاعف من قيمة السلعة الأساسية عدة أضعاف، في كثير من الأحيان دون أن ينعكس ذلك على سعرها. وتوضح الأمثلة المقدمة أيضًا كيف أن لندرة المياه دلالات مختلفة من بينها الندرة بسبب الغياب المادي بفعل الجفاف، على سبيل المثال، أو غياب إمكانية الوصول إلى المياه والتوزيع غير العادل والمنصف لها بسبب عدم انتظام الإمدادات أو عدم كفاءة البنية التحتية. وفي الوقت نفسه، تعد إمكانية الوصول إلى مياه آمنة ونظيفة أمرًا بالغ الأهمية لمجموعة واسعة من القطاعات الاقتصادية، وتسلط الاتجاهات الحالية الضوء على التراجع التدريجي في إمكانية الوصول إلى المياه لا سيّما في البلدان النامية. ويمثل التدهور في جودة مصادر مياه الشرب، ومن بينها المياه الجوفية، والمياه السطحية، ومياه البحر، اتجاهًا مثيرًا للقلق بنفس القدر في سياق ندرة المياه. وتجدر الإشارة إلى أن المياه تتوفر في كثير من الحالات على مستوى العالم، ولكنها تكون غير صالحة للاستعمال بشكل متزايد دون خضوعها لمعالجة متطورة.

مقالات اخرى – الأمن المائي

ستة أسباب لـ شرب الماء بشكل يومي

هل من الأفضل أن نشرب الماء الدافئ أم البارد؟

وعند تحليل هذه الحالات، يمكننا تحديد العديد من العوامل التي تؤدي إلى تفاقم ندرة المياه ذات الجودة المقبولة مثل ممارسات الري الجائر، والتصنيع، والتحضر، وتغير المناخ، والصراعات في بعض الحالات. ومن جانب العرض، يعمل تغير المناخ على تغيير أنماط هطول الأمطار، مما يصعب من إمكانية التنبؤ بسقوطها ويجعلها أكثر تطرفًا. وتُستنفد حاليًا موارد المياه التي كانت المجتمعات قد تطورت حولها وكانت موثوقة في السابق وتتراجع جودتها. علاوة على ذلك، من المعروف أن إمدادات المياه تعاني بشدة من مشاكل البنية التحتية مثل تسرب شبكات خطوط الأنابيب حيث تُفقد كميات كبيرة من المياه المنقولة. وفي البلدان النامية، على وجه الخصوص، يجتمع تأثير تغير المناخ والبنية التحتية غير المؤهلة مع الطلب المتزايد المدفوع بالنمو السكاني، والتصنيع، والتحضر، والتنمية الاقتصادية. ويؤدي ارتفاع مستويات المعيشة، وتغريب الأنظمة الغذائية، وارتفاع مستويات استهلاك اللحوم، وزيادة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، إلى حدوث نمو مطرد في استهلاك المياه.

ويتزايد تعقيد إدارة الموارد بشكل مطرد مع نمو الطلب، وهو ما يفضي إلى ظهور تحديات سياسية وتنظيمية يمكن أن تؤدي إلى حدوث الصراعات في الحالات القصوى. وكثيرًا ما تحدث نزاعات بفعل موارد المياه، لا سيما في حالة الموارد المائية العابرة للحدود، مثل نهر النيل. ويُعدُ سد النهضة أحدث مثال على تسييس الموارد المائية، وهي قضايا تعود إلى الحرب العالمية الأولى، وأفضت إلى وقوع نزاعات في العراق وسوريا. وقد أدت سلوكيات مماثلة في مناطق أخرى في الشرق الأوسط، وأمريكا اللاتينية، وأفريقيا جنوب الصحراء، إلى حدوث توترات حول توزيع المياه بين مختلف الجهات الفاعلة. ويفرض هذا كله تحديات متزايدة في ما يتعلق بإدارة المياه في الدول المتقدمة وحتى في البلدان النامية.

ويمكن التعامل مع إدارة المياه من الزاوية الاقتصادية للتوزيع الفعال للموارد بين المستخدمين المتنافسين، وكذلك من الزاوية الاجتماعية، التي تؤكد على أن الحصول على المياه النظيفة بسعر مناسب هو حق أساسي من حقوق الإنسان. وبالتالي، فإن السياسة المائية في جميع أنحاء العالم مستوحاة من مجموعات من تلك المبادئ، مع توجهات الكيانات الحكومية والقطاع الخاص المخصصة عمومًا لإدارتها بدرجات متفاوتة، وهو ما يؤدي إلى ظهور تحديات خاصة. ولتعقيد الأمور، يتأثر استخدام المياه بشدة بالتطورات السياسية في قطاعات الاقتصاد الأخرى، وخاصة في القطاعات الزراعية والصناعية. لذلك، تتطلب الإدارة المستدامة للمياه نهجًا نظاميًا شاملاً لا يزال غائبًا إلى حد كبير اليوم.

وتُعرِّف منظمة الأمم المتحدة الأمن المائي بأنه “قدرة السكان على ضمان الوصول المستدام إلى كميات كافية من المياه ذات الجودة المقبولة للحفاظ على سبل العيش، ورفاهية الإنسان، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية”. وترمز حالة قطر، على غرار حالة دول الخليج الأخرى، لهذا التعريف. فقد شكلت ندرة موارد المياه المتجددة، مقترنةً بالمعدل الضئيل لتساقط الأمطار ومعدلات التبخر المرتفعة، وضعاً يتسم بنقص مزمن في المياه، وهو ما دفع البلاد إلى تعزيز قدرتها على تطوير مصادر غير تقليدية للمياه مثل تحلية مياه البحر، وإعادة تدوير مياه الصرف البلدية والصناعية لضمان تلبية الطلب المتنامي على المياه في البلاد. ورغم أن هذه العمليات تؤثر بشكل كبير على الميزانيات الوطنية ويمكن أن تسبب ضررًا للبيئة المحلية والنظم البيئية، إلا أنها تمثل مصدرًا موثوقًا لمياه الشرب في  المستقبل.

ويمكننا استخلاص بعض الاستنتاجات المهمة. فسوف يساهم تغير أنماط هطول الأمطار نظرًا لتغير المناخ العالمي وتزايد الطلب على المياه بسبب النمو الاجتماعي والاقتصادي والنمو السكاني في تفاقم مشكلة ندرة المياه، بينما يعكس تراجع جودة المياه المخاطر الصحية الكبرى والعبء الاقتصادي المتزايد لهذه الظاهرة. ويفرض هذا الوضع عبئًا على عاتق المؤسسات الحكومية يحتم عليها إدارة إمدادات المياه والصرف الصحي والبنية التحتية بشكل مسؤول، مع التركيز على جودة العرض واستدامته، فضلاً عن إدارة الطلب بشكلٍ جيد. ويمكن أن يساعد تطبيق مجموعة قوية من تدابير السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والصناعية على الصعيدين الوطني والعالمي، في تقليل مظاهر القلق بشأن الميزانيات المخصصة لتعزيز الأمن المائي ، وبالتالي سد الفجوة الموجودة بين العرض والطلب.

جيني لولر، ومارسيلو كونتستابيل، وأناماريا ماتسوني

تشغل الدكتورة جيني لولر منصب مدير أول بمركز أبحاث المياه في معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة التابع لجامعة حمد بن خليفة، بينما يترأس الدكتور مارسيلو كونتستابيل فريق الأبحاث التكنولوجية والاقتصادية والسياسية بالمعهد، وتشغل الدكتورة أناماريا ماتسوني منصب زميل أبحاث بالمعهد.